تقارير

الإستخبارات … الذراع الخفي لتفكيك المليشيا

تقرير : ضياءالدين سليمان

لعبت الاستخبارات العسكرية لقوات الجيش دوراً بارزاً منذ الساعات الأولى من فجر الخامس عشر من أبريل 2023، حينما اشتعل الرصاص في سماء الخرطوم وبدأت إحدى أعنف الحروب في تاريخ السودان الحديث حيث كانت هنالك معركة موازية تخوضها قوات الجيش لا بالدبابات ولا بالمدفعية بل بالمعلومات والاتصالات.

كانت الاستخبارات العسكرية للجيش السوداني تشحذ كل أدواتها لتحقيق ما عجز تحقيقه بعض الأحيان عبر بندقية المقاتلين في ميادين القتال المفتوحة حيث تمكنت من اختراق بنية مليشيا الدعم السريع، وزرعت بذور الانشقاق في صفوفها وحوّلت قياداتها من أعداء إلى ورقة ضغط أو أصول استخباراتية ثمينة.

اليوم، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من اندلاع الحرب تجني الاستخبارات ثمار زرعها بموجة انشقاقات متتالية تضرب مليشيا الدعم السريع من القمة إلى القاعدة تشمل قادة ميدانيين بارزين وعشرات المقاتلين بعتادهم الكامل. وخلف كل إنشقاق يلوح عمل استخباراتي لم يُعلن عنه رسمياً، لكنه يتراءى في تفاصيل كل قضية.

اول كنز

ولعبت الإستخبارات في الأيام الأولى من اندلاع شرارة الحرب دوراً بارزاً في أول تصدع كبير يضرب بنية مليشيا الدعم السريع حيث استطاعت ان تقنع قائداستخبارات المليشيا اللواء الخير عبد الله أبو مريدات على الانسحاب والتسليم وحصلت بذلك على كنز سمين من المعلومات في خطوة اعتبرها مراقبون ذات دلالات عسكرية وأمنية عميقة.

وبحسب مصدر عسكري مطلع فإن الاستخبارات اقنعت أبو مريدات وهو ضابط سابق بالقوات المسلحة جرى انتدابه للعمل ضمن الدعم السريع بعدم المشاركة في القتال ضد قوات الجيش.

ويرى مراقبون أن مغادرة الرجل الذي كان يتولى قيادة الجهاز الاستخباراتي للدعم السريع مثلت ضربة مبكرة للمليشيا، إذ أتاحت للقوات المسلحة نافذة واسعة لفهم تركيبة الدعم السريع الداخلية وشبكاتها وتحركاتها منذ الأيام الأولى للحرب.

إنشقاق كيكل

وفي نهايات العام 2024م تفاجأت مليشيا الدعم السريع بانشقاق اخر مثل قاصمة ظهر في للمليشيا التي تمددت في مساحات واسعة في وسط السودان في الجزيرة سنار وصولاً لتخوم النيل الأزرق القائد الميداني حيث أعلن اللواء أبو عاقلة كيكل قائد قوات درع السودان انشقاقه وانضمام قواته للقتال مع قوات الجيش بعد ان قائداً للمليشيا بولاية الجزيرة ومثل مفتاحاً للتقدم نحو وسط البلاد و نجح في استقطاب قطاع عريض من شباب حواضر وسط البلاد إلى الدعم السريع آنذاك

وأكدت مصادر على أن الاستخبارات استطاعت استقطاب كيكل للعمل لصالحها قبل أن تحين اللحظة الأنسب للإعلان عن ولائه بعد عمل استخباراتي متكامل الأمر مثل خسارة بشرية للدعم السريع لاسيما وهو يملك معرفة تفصيلية ببنية الدعم السريع وتحركاته، مما أتاح للجيش مكسباً استخباراتياً واضحاً.

وقد ساهم انشقاق كيكل بشكل فاعل في إضعاف موقف الدعم السريع في وسط البلاد، وعزَّز قوة الجيش الذي استعاد لاحقاً كل مدن وسط البلاد في الدندر وسنجة والسوكي ومدني والحيصاحيصا والكاملين وصولاً إلى الخرطوم.

الإدارات الأهلية

لا تعمل الاستخبارات العسكرية للجيش في فراغ اجتماعي، بل عبر توظيف شبكة الإدارات الأهلية والزعامات القبلية باعتبارها الذراع الأكثر مرونة وأعمق اختراقاً لبنية الدعم السريع الداخلية.

فقد كشفت صحيفة “أفريقيا إنتليجنس” أن استراتيجية استخبارات الجيش تعتمد على زرع عملاء داخل مناطق سيطرة المليشيا إضافة إلى استقطاب العناصر الساخطة في داخلها، .

وفي هذا السياق لعب الزعيم القبلي موسى هلال دوراً بارزاً عبر الإستخبارات في تحييد أبناء عرقية المحاميد الذين ينشطون في صفوف الدعم السريع، وأُسهم في إبعاد اثنين من أشهر قادة المليشيا عن صفوفها وهما اللواء النور القبة والعميد على رزق الله السافنا

وكشفت مصادر أن هذا التنسيق لم يكن عفوياً إذ بدأ الجيش في إمداد قوات مجلس الصحوة الثوري الذي يقوده هلال بالعتاد الحربي عبر الإسقاط الجوي، وأعلن هلال وقوفه مع الدولة إلى جانب الجيش ضد الدعم السريع كما أن القبائل في دارفور باتت تشعر بأنها فقدت عنصر الشباب بصورة كبيرة، خاصة قبيلة الرزيقات بأجسامها المختلفة من المحاميد والمهرية، مما ولّد شعوراً بالغبن دفعها نحو سحب أبنائها من صفوف الدعم السريع

وهكذا كانت الإدارة الأهلية، في التي نسقت مع الاستخبارات السودانية رافعة اجتماعية استراتيجية تُفجِّر الانشقاق من الداخل قبل أن تصل إليه صواريخ الجيش من الخارج.

ضربات جوية

وكشفت مصادر عسكرية مطلعة أن الضربات الجوية التي استهدفت مواقع تابعة للدعم السريع خلال الفترة الأخيرة ما كانت عمليات عشوائية أو قائمة على الرصد التقليدي فحسب.
بل جاءت وفق معلومات استخباراتية دقيقة وفرتها الاستخبارات عبر عناصرها داخل المليشيا وتمتلك معرفة تفصيلية بطبيعة التحصينات العسكرية ومسارات الإمداد ومواقع تخزين الأسلحة ومخابئ القيادات العليا.

وبحسب المصادر، فإن هذه المعلومات أسهمت بصورة مباشرة في رفع كفاءة الاستهداف الجوي وتقليص هامش المناورة أمام القيادات الميدانية، لا سيما في مدينة نيالا التي كانت تُعد إحدى أهم مراكز الإسناد والقيادة والتموين. إلا أن المدينة تحولت تدريجياً، بفعل الاختراقات الاستخباراتية المتزايدة، إلى ساحة مكشوفة تحت مراقبة المسيرات وسلاح الجو، الأمر الذي أحدث ارتباكاً واسعاً داخل الدوائر الأمنية المحيطة بآل دقلو، ودفعها إلى تغيير مواقعها وتحركاتها بصورة مستمرة خشية الاستهداف.

وتشير دقة الضربات الجوية السودانية التي حققتها القوات المسلحة دور الاستخبارات في تصاعد وتيرة الانشقاقات داخل الدعم السريع إذ لم تعد آثار تلك الانشقاقات تقتصر على الجانب المعنوي أو الميداني، بل امتدت لتمنح الجيش تفوقاً معلوماتياً مهماً مكّنه من الوصول إلى أهداف حساسة كانت حتى وقت قريب بعيدة عن الرصد المباشر.

إستراتيجية الانشقاق

كشفت مصادر مطلعة عن تتلقى الاستخبارات العسكرية اتصالات بصورة راتبة من قيادات بارزة داخل المليشيا منذ فترة طويلة

واكدت المصادر إن هذه الإتصالات تخضع لشروط وضوابط ثابتة قبل التعامل معها.

وبحسب المصادر، فإن أي طلب يقدم من أحد المتمردين للدخول في ترتيبات التسليم أو الانشقاق يتم إخضاعه لدراسة دقيقة، تشمل تقييم أهمية الشخص داخل هيكل المليشيا، وحجم القوات التي يتبع لها، إضافة إلى ما قدمه سابقاً من معلومات لصالح أجهزة الاستخبارات.

وأكد المصدر أن عمليات التسليم تتم وفق مراجعات متأنية وتقييم شامل لكل حالة على حدة قبل اتخاذ القرار النهائي.

زر الذهاب إلى الأعلى