
عثمان خالد يكتب….
(فضيحة) بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ ودلالات، هي المصطلح الأصح لما يحدث في ملف الوقود بالسودان، فساد تحت رعاية الدولة، عبر مؤسساتها وموظفيها في ملف مرتبط بشكل وثيق ومباشر بالمواطن، حيث ينعكس على أسعار السلع بكافة أنواعها.
مايحدث في الوقود يفضح بجلاء تلك العقلية التي تدير هذه السلعة الاستراتيجية في الدولة.. عقلية تضع المواطن آخر اهتماماتها، وكيف لا تفعل ذلك وهي تعمل دون رقيب أو حسيب فقد صدق من قال: (من أمن العقاب ساء الأدب).
تضج محاكم ونيابات الدولة بقضايا الجنجويد والمتعاونين، الذين أحالوا نهار السودان إلى ليل، وفي ذات الوقت يتواجد ذات الجنجويد بأفعالهم في مؤسسات حساسة في الدولة، وتتحكم في ملفات ترتبط مباشرة بالأمن القومي، فالأمن الغذائي والصحي للمواطن والذي يرتبط بملف الوقود، لا ينفك عن مفهوم الأمن القومي في أي دولة.
أصبحت شركات الدولة التي تنشط في سوق الوقود، تسرح وتمرح بطريقة تستوجب تدخل أعلى هرم الدولة، وحسم الفوضى.. فهذه الشركات أصبحت راعياً للسوق السوداء بممارساتها الفوضوية.
ملف الوقود ظل يمضي بسلاسة، حتى وصول (محي الدين نعيم) إلى قمة هرم الوزارة، فأرباح الشركات لم تكن تتجاوز 2% وأحياناً تتعرض لخسائر فادحة، نسبة لاستيرادها للوقود بالعملة الصعبة، فيما تتم عملية البيع بالجنيه السوداني.
اليوم ترتفع نسبة الأرباح إلى 30% قابلة لبلوغ الـ100%، لتكون بذلك تلك الشركات الحكومية قد حققت أرباح كبيرة، على حساب المواطن البسيط، المفروض عليه تحمل سياسات شلة الفساد، فالمواطن تحول إلى حقل تجارب، فالتجربة الجديدة للمنظراتية قد جاءت بنظرية لن تجدها عزيزي القارئ في كتب الاقتصاد، فهي نظرية حديثة وارد أفكار عقيمة فاقدة لكل شئ لذلك لن تعطي أي شئ، فـ(فاقد الشئ لا يعطيه).
أصبحنا اليوم على تجربة اقتصادية فريدة، تجمع بين الاحتكار و التحرير مع حماية السوق السوداء، ليتحمل المواطن أسعار فلكية في الغاز و البنزين و الجاز، وكما أسلفنا فإن زيادة أسعار الوقود سينعكس مباشرة على زيادة جميع أسعار السلع.
سياسات فاشلة وبالية وعقيمة، تهدف لتشكيل حماية لشركات فشلت في المنافسة في السوق، وهي عبارة عن أسماء فقط، لخلق تساوي وهمي مع شركات ظلت تقدم خدماتها بمهنية عالية، لعشرات السنوات في هذا المجال، وتتبع نهج التنافس الشريف، دون اللجوء لأساليب ملتوية، ليقينها التام أنها تتعامل بسلعة استراتيجية تجسد العمود الفقري للمواطن.
سياسة التحرير تعني الوفرة في السلع، والتنافس في تقديم أفضل الأسعار للمواطنين، لكن تأبى شلليات الفساد المتحكمة والمهيمنة على شركات الدولة ووزارة الطاقة، إلا وأن تغير تلك المعادلة، لأجل مصالح تتنافى تماما مع مصلحة المواطن المسكين المنهك والمثقل بالحرب وتبعاتها.
محاربة الشركات الخاصة، والعمل على تحجيمها، والحد من سياسة التحرير والتنافس الشريف، هو استهداف مباشر للمواطن والمجتمع، وزيادة أعباء على الكادحين، فبالله عليكم كيف يقتات المواطن وسط هذه المليشيا التي ترتدي البدل وتجلس في المقاعد الوثيرة في مكاتب الدولة، وتُشرع سياسات فاشلة بأفكارها الضحلة دون أدنى مراعاة لحال المواطنين.
أعيدوا للسوق حيويته، بالعدل لا بالظلم والجور والطغيان والعنجهية والغطرسة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، التساوي في الحقوق والواجبات أولى الأولويات، والذي يقود إلى شركات حقيقية تعمل على خدمة الوطن، وإلى اقتصاد وطني قوي ومعافى من الكيد والحقد والمؤامرات.
الشركات المستهدفة اليوم، هي ذات الشركات التي وقفت في وجه عاصفة الحرب، وأثبتت وطنيتها المطلقة، بتوفير السلع بأسعار في متناول المواطن، ورفضت استغلال الظرف المعقد الذي عاشته البلاد، إيماناً منها بأن نداء الوطن يعلو ولا يعلى عليه.
فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان..؟



