
كتب.. البروفيسور عبداللطيف البوني
بعد أن تحررت الجزيرة وخرجت منها كتبت اول مقال وقد أتى بعد عامين من اندلاع هذة الحرب.. قلت فيه ان عمليات التغنيم التي يقوم بها الدعم السريع هي التي سوف تفت عضده وتنتهي منه …وهذة الملاحظة قد لا تتأتي لشخص لم يعش تلك الحرب أو يكون قريبا منها … فقد راينا بام اعيننا كيف انهم يتنافسون و يتقاتلون عند الغنيمة …وهذا يرجع ببساطة لأن التحشيد والاستنفار قام عليها …أما الكلام الكبار كبار دا بتاع القضية …والمؤسسة …ودولة ٥٦… وفلول وكيزان… وكل الذي منه فهو للاستهلاك الاعلامي …الغنيمة ركيزة وان شئت قل عقيدة من العقائد التي رسخت في الدعم السريع ..إذ يقال للمجند هاك السلاح واللبس ولا تسألنا عن مرتب ..ثم دخل التمايز القبلي في الغنائم فمثلا المجندون المحليون في الجزيرة عندما يغنموا شيئا ثمينا … يقابلهم العساكر القدامى في الدعم يغنمونه منهم …وهنا الرصاصة أسهل من تناول شربة ماء …حتى العساكر القدامى مرتبون قبليا واى مرتبة أدنى تخضع لحاكمية المرتبة الأعلى ..وقد رأى اهل القرى التي تمت شفشفتها من الذي اخذ العربات ذات الدفع الرباعي ومن الذي اخذ الاتوسات …ومن الذي جولات السكر ومن الذي اخذ جولات الذرة.. ومن الذي الواح الطاقة الشمسية ومن الذي اخذ الملايات القديمة … وهكذا الأمر في كل المغصوبات …كل الأموال عندما تؤخذ من الضحايا تصبح موضع نزاع بين الجناة
( ٢ )
من الطبيعي جدا أن تكون كل المقومات المادية الذاتية منها …والقادمة من الخارج خاضعة ساعة القسمة لذات العقلية القبلية …لذلك تكون النتيجة هي ان تظهر النزاعات والصراعات عند ساعات التراجع والهزيمة وتختفي ساعة الانتصارات وتدفق الأموال … ثم ياتي بعد ذلك العمل الاستخباري الذي يستغل تلك النزاعات ثم تظهر بعد ذلك الانقسامات والاستسلامات والتصدعات وكل الذي منه …هذا بصورة موضوعية عامة …وبالطبع لابد من استصحاب العوامل الذاتية…. شخصيات القادة والعلاقات الأفقية والراسية بينهم …والميول الذاتية… وقراءة المتغيرات في الساحة السياسية ..ثم التحولات الإقليمية …متغيرات مصادر التمويل …كل هذة العناصر تعلب دورا في تحولات المقاتلين من مربع الي اخر …
( ٣ )
ان الاستسلامات التي حدثت من بعض قادة الدعم السريع وان شئت قل ان التصدعات التي حدثت في صفوفه ينبغي أن تقابل بترحاب قوي من كافة محبي السلام ومن ينشدون خير البلاد ..لأنها يمكن أن تعجل بنهاية الحرب …والأهم من كل ذلك أن الحرب التي خاضها الدعم السريع كانت تقوم على العدوان المباشر على المواطن العادي ..لقد قذفت الرعب في قلوب كل السودانيين … فجزء مقدر من حركة النزوح التي لم يشهد العالم لها مثيلا حدثت خوفا من جنود الدعم السريع… وعندما يدخلوا اي منطقة الا وهجرها مواطنيها حتى ولو كانت تلك المنطقة ينتمي إليها جنود الدعم السريع ذات نفسه …وهنا نرجع لعقلية الغنيمة التي تلبست أولئك المقاتلين …لذلك يمكننا القول ان عقلية الغنيمة وقذف الرعب لم تأتي مصادفة بل كانت عملا ممنهجا …فاستسلام مثل هؤلاء المقاتلين المرعبين أو تصدع صفوفهم يجب أن يقابل بترحاب شديد لانه ينهي فترة شديدة القهر والاذلال لم تشهد البلاد لها مثيلا …
(٤)
أمران في ظني لابد من الانتباه لهما ..الأول أن التعامل مع هؤلاء المستسلمين ينبغي أن يكون بعلم ومعرفة…. فهولاء كما ذكرنا أعلاه مقاتلين غير عاديين نتيجة المنهج الذي قدموا منه… فالاستخبارات التي نجحت في استقطابهم يجب بل اعتقد انها على دراية بكيفية التعامل مع المحمولات التي تصاحبهم ونظرة ضحاياهم لهم …فقوانين إعادة الدمج والتسريح والعدالة الانتقالية والعفو المصارحة كلها محتاجة لإعادة تحديث لمجابهة حالتهم …
الأمر الثاني ان استسلام هؤلاء مهما بلغ عددهم قد يقلص ميدان الحرب وقد يعطيها شكلا وميدانا مختلفا ولكن لن ينهيها وحده …فحرب السودان هذة وان شئت الدقة قل العدوان على السودان …غير عادي والمكون الخارجي هو الأكبر …وما شهدناه في الأيام الفائتة …من عدوان على كنانة… ومطار الخرطوم.. وقرية الكاهلي زيدان بشرق الجزيرة… ثم ما حدث في جامعة الدول العربية…وما حدث في بانجول .. يوضح ان جراب الحاوي المعادي للسودان مازال مليئا وان خياراته مازالت متعددة … ومن ناحية أخرى ان الجبهة الداخلية أصبحت كثيرة الالغاز …مع ارتفاع أسعار الغاز الجازولين …انه قدرك يا سودان … وكان الله في العون ..



