
حسين خوجلي يكتب.. هذه هي الأبيض التي تعرفها الدنيا ويجهلها حميدتي- عربدت هاجسات الشوق وانطلقت قافلة الشاحنات من أم روابة وبارا صوب النهود، المطايا مثقلات بالدخن والفول الرطيب والكركدي صاحب الصبغة والمذاق وصمغ الهشاب العربي الإفريقي الذي يصبح عاجل الدواء وسائق سائغ الغذاء من غيره مستحيلاً، والرمال مثل صفحة الذهب والقناديل مد البصر والقبائل تقطع الطريق لتمنح السلام والطعام والأغنيات والأبيض تفتح جناحيها لتستقبل الموال المشهود:
قول للأبيض حاجة ما تغشاها
حملتك أمانتاً في الضلوع منشاها
وكت السنة وقعت وأنكوت في حشها
منو الغير شبابك درجها ومشاها
لن يتوفق الكباشي هذه المرة في الأبيض عروس الرمال ولن تكون محطته الأخيرة ، فقد شد الرحال في صحبة الفرسان وأبناء الشهداء صوب الضعين لتخليصها من رجس الشيطان وإلى الفاشر البسالة حيث عفر الجميع وجوهم بتراب يكتسى بدماء الشهداء ودموع العفيفات ودعاء الصالحين.
لم تكن المحطة الأخيرة نيالا حيث يستعيد المجاهدون والمناضلون وأبناء الجيش الأشاوس(البحير) ويغسلونها من درن المرتزقة ولن يصلوا العصر إلا بعد هزيمة بني شتات في الجنينة وتعود من جديد زاهية بالإنسان المعافى والخير والأمجاد وهتاف الشهيد السلطان تاج الدين وقصائد الفيتوري ابن المساليت على منبر الأصالة ( لم يتركوا لك ما تقول).
لم يتركوا لك ما تقول
والشعر صوتك
حين يغدو الصمت مائدة..
وتنسكب المجاعة في العقول
لم يعرفوك، وأنت توغل عارياً في الكون..
إلا من بنفسجة الذبول
لم يبصروا عينيك..
كيف تقلبان تراب أزمنة الخمول
لم يسكنوا شفتيك..
ساعة تطبقان على آرتجافات الذهول
لم يشهدوك
وأنت تولد مثل عشب الأرض
في وجع الفصول
لم يتركوا لك ما تقول
لم يتركوا لك ما تقول
سألني مجموعة من شباب الإعلاميين والصحفيين بسؤال صعب ولكنه حبيب إلى نفسي لماذا كل هذا الحب للمدن السودانية حبٌ لا ينافسه إلا حب الريف والبوادي؟
فقلت لهم لأن المدينة السودانية صنعها وشيدها وصاغها كل أبناء السودان من كل الأعراق والإثنيات والأصقاع والثقافات والألسنة والأمزجة فخرج هذا الشراب السائغ والمنظرالرائق للناظرين


