
تقرير : ضياءالدين سليمان
تداولت عدة منصات إعلامية من بينها موقع “دارفور24” أنباءً عن انشقاق اللواء النور القبة من مليشيا الدعم السريع وانضمامه إلى صفوف الجيش في خطوة وصفت بأنها من أخطر الضربات التي تتلقاها هذه المليشيا منذ اندلاع الحرب.
ويكتسب انشقاق النور قبة أهمية خاصة لكونه يرتبط بتحولات جديدة ستحدث داخل المليشيا ربما تقلب موازين القوى داخل إقليم دارفور لا سيما في مناطق قبيلة الرزيقات التي تشكل أحد الأعمدة الاجتماعية التي تعتمد إليها المليشياالمتمردة وربما تفتح هذه الخطوة الباب أمام انشقاقات أخرى تضرب صفوف المليشيا انعكاساً للخلافات التي تعيشها خلال الفترة الاخيرة.
تفاصيل
كشفت مصادر مطلعة عن انضمام اللواء في مليشيا الدعم السريع النور القُبّة إلى صفوف الجيش على رأس قوة تُقدَّر بنحو 80 عربة قتالية.
وقالت المصادر إن القُبّة أبدى غضبه من قيادة الدعم السريع عقب سيطرتها على مدينة الفاشر معتبرًا نفسه الأحق بقيادة الفرقة السادسة هناك وفقًا للتراتبية العسكرية خاصة بعد تكليف اللواء جدو ابنشوك بالمنصب.
وأوضحتالمصادر أن تكليف ابنشوك بقيادة الفرقة السادسة بعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر 2025 دفع القُبّة إلى العودة إلى قريته في شمال دارفور، حيث اعتصم هناك لأكثر من سبعة أشهر بعد ان شارك القُبّة في معارك الفاشر، إذ كان يقود متحرك “درع السلام”.
وأفادت المصادر بحسب دارفور 24 أن قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو أوفد لجنة للتفاوض واحتواء الخلاف مع النور القبة إلا أن الأخير أبلغ الوفد بوجود ضغوط متزايدة من محيطه العشائري والأسري في ظل شعوره بعدم تقدير جهوده داخل القوات.
وذكرت المصادر أن الاتصالات بين قيادة الجيش واللواء القُبّة بدأت في وقت سابق قبل اجتياح الدعم السريع لبادية مستريحة وخروج زعيم قبيلة المحاميد موسى هلال الذي لعب دور الوسيط في ترتيبات انشقاق القُبّةمرجّحة أن يكون للنور قبة دور محوري في تأمين خروج موسى هلال من مستريحة ووصوله إلى مناطق سيطرة الجيش.
وأكدت المصادر أن الدعم السريع كثّفت مؤخرًا تحركاتها العسكرية حول المنطقة التي كان يتواجد فيها القُبّة، وضيّقت عليه الخناق، ما عجّل بانشقاقه.
وبيّنت أن القُبّة غادر قريته قبل يومين ورجّحت أن الجيش وفّر له غطاءً جويًا لتأمين مسار تحركه.
تأثير
يُعد اللواء النور احمد ادم “القبة” من القيادات الميدانية ذات العيار الثقيل و التي تمتلك تأثيراً يتجاوز حدود العمل العسكريحيث يجمع بين النفوذ القتالي والحضور الاجتماعي داخل دارفور.
وينحدر القبة من المحاميد وهي أحد أبرز بطون قبيلة الرزيقات وهو ما يمنحه وزناً كبيراً في المعادلة القبلية التي تلعب دوراً محورياً في تشكيل موازين القوى في الإقليم.
ويتميز بعلاقته الوثيقة بالشيخ موسى هلال زعيم مجلس الصحوة وهو ما يعزز من رمزيته داخل بعض المكونات الاجتماعية التي ظلت على صلة تاريخية بموسى هلال الوضعية تجعل من انشقاق القبة حدثاً يمثل ضربة قوية قد تنعكس نتائجها ليس فقط على سير العمليات العسكرية بل أيضاً على مواقف الحاضنات القبلية وتوجهاتها خلال المرحلة المقبلة.
الرجل الثالث
ويعتبر النور القبة الرجل الثالث في الدعم السريع اذ تعود جذور انضمامه إلى قوات الدعم السريع إلى فترة التحولات التي شهدها إقليم دارفور عقب أحداث مستريحة في العام 2017، والتي شكلت نقطة مفصلية في مسار العلاقة بين القيادات التقليدية والمكونات العسكرية آنذاك.
وكان القبة قبل ذلك ضمن قوات حرس الحدود حيث اكتسب خبرة ميدانية واسعة قبل أن ينضم لاحقاً إلى الدعم السريع في أعقاب اعتقال الشيخ موسى هلال ونقله إلى الخرطوم. ومنذ انضمامه لعب القبة أدواراً بارزة في العمليات العسكرية ما جعله واحداً من القيادات المؤثرة داخل الدعم السريع قبل أن تبدأ الخلافات الداخلية في الظهور تدريجياً مع تعقّد المشهد العسكري والسياسي.
السافنا يؤكد
أكد القائد الميداني في صفوف المليشيا السافنا في تسجيل صوتي متداول صحة الأنباء المتداولة حول انشقاق اللواء النور القبة مشيراً إلى أنه غادر برفقة قوة عسكرية تُقدّر بنحو 80 عربة قتالية تحركت من منطقة كتم.
وأوضح السافنا أن هذه الخطوة لم تكن مفاجئة في ظل الأوضاع الداخلية المتدهورة داخل المليشيا لافتاً إلى أن حالة التهميش وعدم الإنصاف التي يعاني منها بعض القادة والعناصر كانت من أبرز الدوافع وراء هذا الانشقاق.
وأضاف أن أجواء التخوين والتشكيك المتبادلة بين القيادات إلى جانب انتشار مظاهر الفساد أسهمت بشكل كبير في تعميق حالة الاحتقان داخل الصفوف مشيراً كذلك إلى أن تحكم أسرة دقلو في مفاصل اتخاذ القرار داخل المليشيا خلق حالة من الاستياء الواسع وعزّز الشعور بالإقصاء لدى عدد من القيادات الميدانية وهو ما يعكس تصاعد حدة التصدعات والانقسامات في الفترة الأخيرة.
خلافات
تشير مصادر مطلعة للكرامة إلى أن العلاقة بين النور القبة وبعض قيادات الدعم السريع، وعلى رأسهم عبدالرحيم دقلو شهدت تدهوراً ملحوظاً خلال الأشهر الماضية خاصة عقب معارك الفاشر والتطورات التي أعقبتها في مناطق شمال دارفور.
وقد تفاقمت هذه الخلافات على خلفية أحداث مستريحة الأخيرة التي ارتكبت فيها المليشيا جرائم وانتهاكات أسفرت عن سقوط عدد كبير من المدنيين من قبيبة المحاميد ما عمّق حالة الاحتقان داخل بعض المكونات القبلية.
ووفقاً لهذه المصادر فإن الخلاف لم يظل في إطار التباين في الرؤى بل تطور إلى محاولات تصفية مباشرة حيث تم إرسال قوة خاصة لاستهداف القبة في عملية وصفت بأنها دقيقة ومخطط لها بعناية غير أن تدخل الطيران المسيّر التابع للجيش حال دون تنفيذها بعد أن تمكن من رصد القوة المهاجمة وتدميرها قبل الوصول إلى هدفها.
محاولات إغتيال
تفيد المعلومات المتداولة بأن هذه المحاولة لم تكن الأولى من نوعها إذ نجا القبة من أكثر من محاولة اغتيال خلال الفترة الماضية ما يعكس حجم الصراع الداخلي والتنافس على النفوذ في صفوف الدعم السريع.
وتشير تقارير إلى أن القوة التي أُرسلت لاستهداف القبة ضمت عناصر من مجموعات مختلفة مدعومة بمقاتلين أجانب وهو ما يعتبر مؤشراً على تصاعد الصراعات ذات الطابع المعقد داخل الدعم السريع.
كما أن فشل هذه العمليات خاصة بعد تدخل المسيرات العسكرية وضع قيادة الدعم السريع في موقف بالغ الحرج حيث كشفت هذه التطورات عن وجود صراعات داخلية حادة لم تعد خافية على المتابعين.
وتشير المصادر الي أن تكرار محاولات الاستهداف يعكس فقدان الثقة بين القيادات، ويدفع نحو مزيد من الانشقاقات في ظل شعور بعض القادة بتهديد مباشر على حياتهم ومواقعهم.
“الغربال الناعم”
يربط عدد من المراقبين بين هذه التطورات وخطاب “الغربال الناعم” الذي أطلقه قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، والذي اعتُبر بمثابة إعلان ضمني عن نية تصفية القيادات التي لا تنتمي إلى الدائرة الضيقة أو التي قد تشكل تهديداً مستقبلياً.
وقد أسهم هذا الخطاب بحسب التحليلات في تعميق حالة الشك داخل صفوف الدعم السريع حيث باتت بعض القيادات تنظر إلى ما يجري باعتباره إعادة ترتيب قسرية لمراكز القوة ما دفع البعض إلى البحث عن خيارات بديلة،من بينها الانحياز إلى الجيش أو الانسحاب من المشهد.
ويرى البعض أن هذه الخطوة تعكس محاولة لإعادة تشكيل موازين القوة داخلياً عبر الاعتماد على عناصر أكثر ولاء للقيادة المركزية وهو ما قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات خاصة في ظل الحساسية القبلية التي تميز تركيبة الإقليم.
تداعيات
يحمل انضمام النور القبة إلى الجيش بشكل نهائي دلالات ميدانية مهمة إذ لا يتعلق الأمر بقائد فرد بل بقوة عسكرية يُعتقد أنها كبيرة ومنظمة انتقلت بكامل عتادها ويرى اللواء معاش راشد النعيم الخبير العسكري والاستراتيجي ان هذه الخطوة من شأنها أن تعزز من قدرات الجيش في بعض الجبهات خاصة في دارفور مقابل إضعاف الدعم السريع على المستوى العملياتي والمعنوي.
ويتوقع الخبير العسكري أن يسهم هذا التحول في إعادة رسم خطوط التماس وربما فتح مسارات جديدة للعمليات العسكرية في مناطق كانت تُعد سابقاً ضمن نفوذ الدعم السريع.
ويرى راشد أن انشقاق اللواء النور القبة يمثل حدثاً مفصلياً قد تتجاوز تداعياته الإطار العسكري إلى أبعاد سياسية واجتماعية أوسع. فالصراع الدائر في السودان وخاصة في دارفور، لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بل بات ساحة لتقاطعات معقدة بين النفوذ القبلي والحسابات السياسية والمصالح الإقليمية.



