ضياءالدين سليمان يكتب .. حميدتي … كلام الطير في الباقير

بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب التي أشعلتها قواته وبدون أدنى حد من الحياء وقف حميدتي في كمبالا ليخاطب السودانيين بلغة ملساء لا تشبه شيئاً من الواقع الذي صنعه هو وعصابته في السودان، وقف المجرم حميدتي ليقدم خطاباً منفصلاً عن الحقيقة، يطفو فوق بحر من الدماء والدموع والبيوت المحترقة.
وقف حميدتي أمام الجموع القليلة الحاضرة والتي أطلق عليها زوراً صفة الجالية السودانية رغم ان الحقيقة تقول انهم أسر وعوائل ( الجنجويد) الذين فروا إلى يوغندا بالاموال التي نهبوها من السودانيين ليعيد ذات الاحاديث المكرورة بأن الجيش (جيش كيزان) وان حربهم ضد الإسلاميين ويقدم نفسه من جديد في ثوب بريئ دون أن يتوقف لحظة أمام سجل ثقيل من الانتهاكات
هل كان حميدتي يعلم قبل أن يطلق حديثه الذي دائماً ما يدعى فيه المظلومية ان مليشياته لم تترك في المناطق التي احتلتها بالغدر والخيانة أحياءً الا ونهبتها ، ولا مرافق صحية الا وعطلتها ، وتوزّع المواطنون فيها بين قتيل وجريح ومشرد فضلاَ عن انتهاكات ممنهجة واقتحام منازل ترويع أسر، اعتقالات تعسفية، واعتداءات جنسية طالت نساءاَ لا علاقة لهم بساحات القتال. فهذه كلها ليست “أخطاء فردية” بل نمط متكرر يوضّح عقيدة وسلوك الدعم السريع وفي الوقت الذي كان فيه دقلو يرتب عباراته بعناية في قاعة مكيفة خارج الحدود كان آلاف السودانيين يعيشون آثار تلك الانتهاكات نزوحاً وتشريداً.
أي مفارقة أكثر قسوة من أن يُرفع حميدتي شعار “جلب الديمقراطية ”وحماية المدنيين بينما تُروّع مدن بأكملها في كردفان ودارفور ؟ وأي منطق يسمح بإن يتحوّل الجلاد إلى واعظ سياسي دون مساءلة أو اعتراف أو اعتذار؟
أما الرئيس اليوغندي يوري موسفيني، فقد اختار أن يمنح الدعم السريع منصة إقليمية، في خطوة لا يمكن فصلها عن دلالاتها الأخلاقية والسياسية فاستقبال قائد مليشيا متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، وإتاحة الفرصة له لتقديم نفسه كطرف حريص على الاستقرار، هو رهان محفوف بالمخاطر يضع موسفيني ودولته في خانة المتورطين فالحياد الحقيقي لا يُترجم بصورة تشرعن المليشيا ولا يُقرأ كإعادة تلميع شخص ملطخ بدماء السودانيين ومنتهك لشرف السودانيات .
ما قاله حميدتي على الرغم من كونه لايعدو ( كلام الطير في الباقير) الا انه لم يحمل أي التزام صريح بوقف الانتهاكات ولا إعلاناً واضحاً بمحاسبة المتورطين، ولا حتى اعترافاً بآلام الضحايا بل حمل جملة من المتناقضات فهو تارة يتوعد بالعودة إلى المناطق التي خرج منها ( دنقاس) بقوة السلاح وعزيمة أبطال الجيش وتارة يتحدث عن الحل السياسي وعن السلام رغم ان الاخير ما هو حديث للاستهلاك السياسي لا أكثر.
ما جرى في كمبالا ماهو الا محاولة لإعادة تدوير أزمة أخلاقية في قالب دبلوماسي والسلام الحقيقي لا يُصنع بالكلمات العابرة ولا بالمنصات الخارجية بل يبدأ بإسكات البنادق وجبر ضرر الضحايا والخضوع لمساءلة عادلة لا تستثني أحداً. دون ذلك، سيبقى كل خطاب مجرد صدى بعيد لا يقوى على حجب حقيقة يعرفها السودانيون جيداً هي أن من أشعل النار لا يمكنه الادعاء بأنه رجل الإطفاء.



