
- هذا السؤال ليس محاولة لاستدعاء حزب حكم السودان لثلاثة عقود وإنما أصبح سؤالاً مشروعاً أمام مشهد سياسي مضطرب تتبدل فيه موازين القوى كل يوم في الوقت الذي يقف فيه المؤتمر الوطني بعيداً عن دائرة الفعل والتأثير رغم أن اسمه ما زال حاضراً في كل نقاش يتعلق بتاريخ الحركة السياسية السودانية.
- المفارقة أن الحزب الذي كان يمتلك يوماً جهازاً سياسياً وتنظيمياً واسعاً وقدرة كبيرة على صناعة المبادرات وتحريك قواعده أصبح اليوم وكأنه اكتفى بمراقبة المشهد من بعيد فلا مبادرات سياسية كبيرة تفرض حضوره، ولا خطاب سياسي واضح يشرح موقعه من الواقع ومستقبل الدولة، ولا نشاط جماهيري ظاهر يتناسب مع حجم الإرث السياسي الذي تركه وراءه.
- الأكثر إثارة للتساؤل أن هذا الغياب جاء في لحظة شديدة التعقيد وفي وقت أعادت فيه الحرب تشكيل الخريطة السياسية السودانية بالكامل. في الوقت الذي ظهرت قوى وتيارات جديدة لملء المساحات الخالية ترك المؤتمر الوطني مساحة سياسية واسعة بلا حضور واضح الأمر الذي أتاح لخصومه وخصوم التيار الإسلامي عموماً التحرك داخلها وتقديم أنفسهم باعتبارهم البديل السياسي القادر على مخاطبة الشارع.
- ولم يتوقف الأمر عند غياب المبادرات السياسية بل امتد إلى عدم استثمار حالة الالتفاف الشعبي حول القوات المسلحة، وهي حالة كان يمكن من الناحية السياسية أن تفتح المجال أمام خطاب جديد يراجع تجربة الحزب السابقة ويقدم تصوراً مختلفاً لدوره في المستقبل.
- فالشباب المنتمون إلى التيار الإسلامي والمؤتمر الوطني الذين يقاتلون إلى جانب القوات المسلحة يمثلون حضوراً بشرياً وسياسياً كان يمكن أن ينعكس في خطاب سياسي منظم بدلاً من أن يبقى هذا الحضور منفصلاً عن النشاط الحزبي والسياسي.
- كما أن الأزمة المعيشية التي تضرب قطاعات واسعة من السودانيين وما صاحبها من استياء اجتماعي واسع كانت تحتاج إلى قوى سياسية تقدم رؤى وبرامج وحلولاً لا إلى الاكتفاء بالصمت فالسياسة تُقاس بقدرة الحزب على تحويل الأزمات إلى برامج ومبادرات وخطاب مقنع.
- المؤتمر الوطني، منذ التغيير السياسي في 2019 ظل أسيراً لمرحلة سابقة من تجربته فقد فرضت عليه السلطات المتعاقبة قيوداً سياسية وتنظيمية لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً هو: هل تحولت تلك القيود إلى مبرر دائم للغياب، أم أن الحزب كان يستطيع البحث عن أشكال سياسية وقانونية جديدة للحضور؟
حتى ملف المعتقلين المرتبطين بالنظام السابق لم يشهد على المستوى السياسي والإعلامي الحملات التضامنية التي يتوقعها أنصار حزب كبير تجاه قياداته وكوادره ويأتي الرئيس السابق عمر البشير في مقدمة الأسماء التي تثير هذه القضية خصوصاً بعد تراجع وضعه الصحي و وفاة بعض المعتقلين داخل السجون.
وهذه القضية، بغض النظر عن الموقف السياسي من الأشخاص أو النظام السابق ظلت بحاجة إلى خطاب حقوقي وقانوني أكثر وضوحاً من جانب الحزب وأنصاره.
- المشكلة إذن ليست فقط أن المؤتمر الوطني غائب عن المشهد وإنما أن غيابه ترك أسئلة أكبر من مجرد سؤال الحضور التنظيمي: ماذا يريد الحزب؟ وما رؤيته للسودان بعد الحرب؟ وهل يسعى إلى العودة للعمل السياسي بصورة مختلفة أم أنه ينتظر أن تعيد إليه الأحداث موقعاً فقده منذ سنوات؟
فالفراغ السياسي لا يبقى فراغاً طويلاً حين تتراجع قوة سياسية عن الساحة تتقدم قوى أخرى لملء المساحة. وحين يغيب الخطاب يصنع الآخرون الخطاب نيابة عنه. وحين يتوقف الحزب عن تقديم المبادرات تصبح صورته مرتبطة بماضيه أكثر من ارتباطها بمشروعه للمستقبل.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى المؤتمر الوطني الذي كان يوماً أحد أكثر الأحزاب السودانية حضوراً وتنظيماً أصبح اليوم أمام اختبار مختلف تماماً ليس اختبار القدرة على الحكم وإنما اختبار القدرة على إنتاج خطاب سياسي جديد يتعامل مع واقع السودان الجديد بعيداً عن الاكتفاء بتجربة الماضي أو انتظار أن تتحدث عنه الوقائع وحدها.
- الساحة السياسية السودانية تغيرت والعودة إليها إن كانت لن تتحقق بمجرد استدعاء التاريخ أو تعداد المظالم. السياسة فعل يومي، ومبادرات، وخطاب، وتنظيم، وقدرة على قراءة المجتمع وتحولاته.
وإذا كان المؤتمر الوطني يمتلك وزناً سياسياً حقيقياً فإن السؤال الأكثر إلحاحاً أمامه اليوم ليس أين كان بل ماذا سيفعل من الآن؟



