
بعيداً عن الأسماء التي أعلنتها لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني، والجدل الذي صاحب اختيار بعض أعضائها، واستقالة الدكتورة نعمات الزبير قبيل الإعلان عنها، واعتذار المحبوب عبد السلام قبل ذلك عن الانضمام إليها، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بالأسماء بقدر ما يتعلق بطبيعة اللجنة نفسها: لمن تنتمي هذه اللجنة فعلياً؟ ومن يملك قرارها ويمول نشاطها ويحدد دوائر اتصالها؟.. هذه هي المسألة التي ينبغي أن تُناقش قبل أن تبدأ طاولات الحوار وتزدحم القاعات بالخطب والصور التذكارية.
ظهرت اللجنة إلى العلن عبر مؤتمر صحفي واختارت البروفيسور قاسم بدري رئيساً لها، بينما تصدّر الصحفي عثمان ميرغني، رئيس تحرير صحيفة «التيار»، مشهد تأسيسها والدفاع عن فكرتها، لكن فكرة الحوار السوداني–السوداني في الداخل ليست اختراعاً جديداً ولا ملكية فكرية لأحد، فقد سبقت إلى طرحها قوى سياسية وشخصيات وطنية على رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في بورتسودان، في إطار الدعوة إلى نقل مركز الحل إلى الداخل وإنهاء حالة الارتهان المستمرة لمنابر الخارج ووسطائها،المشكلة إذن ليست في الفكرة، بل في الطريقة التي أُلبست بها ثوب الاستقلال.
فالحوار داخل السودان مطلوب من حيث المبدأ، وربما يكون أكثر جدوى من حوارات تُدار في العواصم الخارجية، كما أن تنوع عضوية اللجنة واختلاف مواقف أعضائها من الحرب ليس عيباً في ذاته، بل إن الجلوس بين المختلفين هو جوهر أي حوار حقيقي. لكن الاستقلالية لا تصنعها تركيبة الأسماء وحدها، وإنما يصنعها مصدر القرار ومصدر التمويل، ووضوح معايير اختيار المشاركين، والمسافة الفاصلة بين اللجنة والسلطة.. وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة.
لقد استجابت الدولة لمطالب اللجنة وقدمت ضمانات قانونية لمن يرغبون في المشاركة من الخارج، وهي خطوة مهمة من حيث المبدأ إذا كان الهدف بالفعل توسيع دائرة الحوار،لكن عندما تتسع علاقة اللجنة بالسلطة من مجرد توفير الضمانات إلى توفير المقر والتسيير والتمويل والخدمات وترتيبات المشاركين، فإن عبارة «لجنة مستقلة» تصبح بحاجة إلى تفسير أكثر إقناعاً،فالاستقلالية ليست بياناً صحفياً، وإنما مسافة واضحة بين صاحب المبادرة والسلطة التي يفترض أن تكون هي نفسها طرفاً في الحوار.
وقد وُجهت الدعوات للمشاركة في لجنة الحوار إلى أكثر من مائة شخصية سودانية مقيمة في القاهرة والدوحة والبحرين والسعودية ولندن وأستراليا، مع تحمل تكاليف السفر والإقامة والنثريات، ومشاركة جهات رسمية وسيادية في التواصل والترشيحات،ولذلك فإن واجب اللجنة ليس الغضب ممن يصفها بـ«لجنة البرهان» أو «لجنة عثمان»، وإنما أن تقدم للرأي العام إجابات واضحة: من يمول؟ وكم تبلغ الميزانية؟ ومن اختار المدعوين؟ وما المعايير التي تحكم الدخول إلى القائمة أو البقاء خارجها؟.. هذه ليست أسئلة خصوم، بل أبجديات الاستقلال.
ولا أحد يعترض على إشراك السودانيين الموجودين في الخارج، بل إن أي حوار جاد يحتاج إلى مشاركة القوى السياسية والرموز الوطنية في الداخل والخارج معاً. لكن الإشكال يبدأ عندما تصبح الدعوات انتقائية، وعندما يُستدعى صحفيون وناشطون وشخصيات مجتمعية لا يمثل بعضها ثقلاً سياسياً أو اجتماعياً مؤثراً، بينما يغيب آخرون أكثر اتصالاً بالمشهد الحقيقي، وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: ما القيمة السياسية لدعوة مائة شخصية إذا كان أصحاب الثقل الحقيقيون يرفضون الجلوس إلى الطاولة؟
وقد أعلنت قيادات في تحالف «صمود» رفضها للحوار، وذهبت إلى اتهامه بالسعي إلى شرعنة ما أسمته «سلطة الأمر الواقع»، ويمكن الاختلاف جذرياً مع «صمود» ومواقفها وسرديتها للحرب، لكن رفضها لا ينبغي أن يُقابل بالاستخفاف؛ لأن مهمة لجنة التهيئة ليست جمع الموافقين، وإنما الوصول إلى الرافضين، فاللجنة التي تنجح في استدعاء المقتنعين سلفاً بالحوار لا تصنع اختراقاً سياسياً، أما التي تقنع خصوم المسار بالجلوس فهي التي تستحق فعلاً وصف «لجنة التهيئة».
كما أن تجاوز شخصيات سياسية وصحفية ومجتمعية موجودة داخل البلاد يفتح باباً آخر للاعتراض، فكيف يُراد لحوار أن يقدم نفسه بوصفه سودانياً شاملاً، بينما يشعر أصحاب مصلحة حقيقيون في الداخل بأنهم خارج الحسابات، في حين يجري استقدام آخرين من الخارج على نفقة الدولة؟.. ثم تبقى المسألة الأكثر حساسية: المال.
السودان اليوم ليس بلداً يسبح في فائض مالي يسمح بالإنفاق السياسي بلا حساب، هناك مواطنون يعودون إلى الخرطوم فيجدون بيوتاً مدمرة وخدمات شحيحة وغلاءً يطحن ما تبقى من دخولهم، وهناك نازحون في الولايات يصارعون من أجل العلاج والغذاء والسكن، وأسر أنهكتها الحرب وفقدان مصادر الدخل، وفي مثل هذه الظروف يصبح كل جنيه يخرج من خزينة الدولة قضية أخلاقية قبل أن يكون بنداً مالياً.
ولهذا فإن تمويل تذاكر السفر والإقامات والنثريات لمؤتمر سياسي، إن كان يجري بالفعل بهذه الصورة الواسعة، يحتاج إلى تبرير علني ودقيق، فالحوار الوطني لا ينبغي أن يتحول إلى موسم دعوات وفنادق وتذاكر سفر، بينما المواطن الذي يُراد الحوار باسمه لا يستطيع دفع ثمن الدواء أو الخبز.
نحن مع الحوار السوداني–السوداني في الداخل، وربما يكون ذلك واحداً من أكثر المسارات جدية لإنقاذ ما تبقى من الدولة، ولكن بشرط أن يكون سودانياً بالفعل، ومستقلاً بالفعل، وشاملاً بالفعل؛ لا حواراً تحدد السلطة جزءاً من ميزانيته وضيوفه، ثم يُطلب من الناس التصديق بأنه بعيد عنها.
أمام ما يمكن تسميتها بـ«لجنة عثمان» فرصة لتبديد هذه الشكوك، لا بالخطب والمؤتمرات الصحفية، وإنما بالأفعال، أن تنشر مصادر تمويلها، ومعايير اختيار أعضائها وضيوفها، والجهات التي وجهت الدعوات، وحجم مساهمة الدولة، وأن توقف أي تدخل رسمي في تشكيل قوائم المشاركين، وأن تمد يدها إلى خصوم السلطة قبل مؤيديها، وأن تمنح الداخل المنهك بالحرب وزناً لا يقل عن أصحاب التذاكر القادمة من الخارج. فالحوار الذي يبدأ بأزمة ثقة لن يصنع توافقاً.
وإذا أرادت اللجنة حقاً أن تصنع حواراً وطنياً، فعليها أولاً أن تثبت للسودانيين أنها لجنة للحوار لا لجنة للسلطة، وأن الدولة ضامن للعملية لا راعياً سياسياً لها… فالاستقلالية ليست لافتة تُعلّق على باب المقر؛ الاستقلالية موقف وممارسة ومصدر مال ومسافة واضحة من السلطة.



