تقارير

تفاصيل غير مسبوقة .. مندوب الإمارات يصوّر بهاتفه مسؤولاً شارك بشأن مدينة الأبيض

ترجمة المهندس يوسف كمال الدين- بقلم ميشيل لانغراند- كشف نقاش أممي بشأن مدينة الأبيض السودانية عن تصاعد التوترات حول الدعم المزعوم الذي تقدمه الإمارات لقوات الدعم السريع، وسط تحفظ غربي عن مواجهتها علنا، وشكوى تقدمت بها منظمة غير حكومية تزعم تعرضها للترهيب.

كشف نقاش عاجل عقدته الأمم المتحدة في جنيف الأسبوع الماضي بهدف منع وقوع فظائع في مدينة الأبيض السودانية عن إحجام الحكومات الغربية عن تسمية الإمارات العربية المتحدة علنا بسبب دعمها المزعوم لقوات الدعم السريع شبه العسكرية، رغم تزايد الأدلة وتصاعد الضغوط من جماعات حقوق الإنسان.

وقبل أسبوع من جلسة مجلس حقوق الإنسان، بعث ائتلاف من منظمات المجتمع المدني برسالة إلى المجلس حث فيها الأعضاء على تسمية أبوظبي صراحة بوصفها أحد الأطراف الخارجية التي تغذي النزاع، محذرا من أن عاصمة ولاية شمال كردفان، الأبيض، الواقعة تحت حصار قوات الدعم السريع منذ 18 شهرا، قد تواجه المصير نفسه الذي واجهته الفاشر، حيث خلص تحقيق أممي إلى وجود أدلة على فظائع “تحمل سمات الإبادة الجماعية”.

غير أنه عندما انعقد النقاش يوم الجمعة، اكتفت وفود مثل الاتحاد الأوروبي بإدانات عامة لـ “أطراف خارجية” غير مسماة ولم يتهم الإمارات مباشرة بتسليح خصومه سوى سفير السودان، الذي يمثل حكومة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

ويأتي هذا التحفظ رغم عدد من التحقيقات المستقلة بشأن الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع. وكان أحدثها تقريرا أصدرته هيومن رايتس ووتش في أبريل، زعم أن الإمارات دربت مرتزقة كولومبيين قبل نشرهم إلى جانب مقاتلي قوات الدعم السريع.

وعند تواصل جنيف سوليوشنز مع البعثة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة في جنيف، قالت البعثة إن الإمارات “لم تقدم، ولا تقدم، دعما عسكريا أو ماليا لأي طرف من الأطراف المتحاربة في السودان”، مضيفة أنها أدانت خلال النقاش الفظائع التي ارتكبتها كل من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، ودعت إلى توسيع حظر السلاح ليشمل السودان بأكمله.

مزاعم الترهيب

خرجت التوترات إلى العلن على هامش النقاش الأممي. فقد زعم أن مندوبا إماراتيا التقط بهاتفه صورة لمشارك من منظمة غير حكومية خلال مشاورات غير رسمية يوم الخميس، في خرق لقواعد الأمم المتحدة الموضوعة لحماية المجتمع المدني من الترهيب في اجتماعات المنظمة.

ووفقا لثلاثة أشخاص كانوا في القاعة، ذكر مندوب بريطاني كان يترأس الاجتماع المشاركين بأن التقاط الصور أثناء الاجتماع غير مسموح، من دون أن يسمي أي وفد. وقال المشارك من المنظمة غير الحكومية، الذي زعم أنه تعرض للتصوير وتحدث إلى جنيف سوليوشنز شريطة عدم الكشف عن هويته، إنه لم ير المندوب يلتقط الصورة بنفسه، لكنه أبلغ بذلك من قبل مندوبين آخرين.

وتفهم جنيف سوليوشنز أن المنظمة غير الحكومية المعنية تقدمت يوم الأربعاء بشكوى إلى رئاسة المجلس، معتبرة الحادثة عملا ترهيبيا مرتبطا بجهودها في الدعوة إلى تسمية دور الإمارات في الحرب في السودان داخل المجلس.

وقال باسكال سيم، المتحدث باسم مجلس حقوق الإنسان، إنه لا يستطيع التعليق على حالات محددة، لأنها تعالج بسرية، لكنه أضاف أن “أمانة مجلس حقوق الإنسان تبقى يقظة إزاء أي أعمال ترهيب أو انتقام”. وأضاف أن وسائل الإعلام المعتمدة وحدها مخولة بالتقاط الصور أثناء الاجتماعات في قصر الأمم.

وقالت البعثة الإماراتية إنها “ترفض رفضا قاطعا هذا الادعاء غير المثبت”، مضيفة أن “وفدها يأخذ دائما حماية المشاركين من المنظمات غير الحكومية على محمل الجد، ويلتزم دائما بالكامل بالإجراءات المعمول بها”.

وقال مندوب نرويجي إن المملكة المتحدة سترد باسم المجموعة الأساسية التي نظمت المشاورات غير الرسمية، لكن البعثة الدائمة للمملكة المتحدة في جنيف لم ترد على الأسئلة حتى وقت النشر بشأن واقعة الترهيب المزعومة أو سبب عدم تسمية الإمارات في بيانها.

تحول محدود

تمارس جماعات حقوقية ضغوطا على الحكومات الغربية منذ سنوات لإدانة الإمارات علنا، سواء بسبب دورها في حرب السودان أو بسبب انتهاكاتها الداخلية لحقوق الإنسان.

وقال كيفن ويلان، رئيس مكتب منظمة العفو الدولية لدى الأمم المتحدة في جنيف، إن الجلسة الطارئة لمجلس حقوق الإنسان كانت موضع ترحيب، لكنها غير كافية. وقال لجنيف سوليوشنز: “تستحق الإمارات تركيزا خاصا في نقاش عاجل بشأن الأبيض، لأنها الداعم العسكري الرئيسي لقوات الدعم السريع التي تطوق المدينة، وهي جماعة مسلحة لديها سجل موثق من الجرائم ضد الإنسانية”.

ورغم ذلك، يرى البعض أن الأمور تتحرك في الاتجاه الصحيح. وقالت هيلاري باور، مديرة هيومن رايتس ووتش لدى الأمم المتحدة في جنيف، لجنيف سوليوشنز: “رغم أن معظم الدول توقفت للأسف عند حد عدم تسمية الإمارات، فإن الإحباط المتزايد من استمرار دعمها لقوات الدعم السريع كان ملموسا، طوال النقاش وفي القرار”.

وأشار القرار إلى “نشر قوات أجنبية وتوريد أسلحة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة”، وهي صياغة ربطتها باور بمفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الذي قال للمجلس هذا الشهر إن “أطرافا محلية وأجنبية تستفيد من المذبحة” في السودان.

لكن الأمم المتحدة لم تسم حتى الآن أي دولة أو جهة أخرى علنا. ففي تقريرها الصادر في فبراير بشأن مذبحة الفاشر، قالت بعثة تقصي الحقائق المدعومة من الأمم المتحدة بشأن السودان إن قوات الدعم السريع “يبدو أنها استفادت من دعم عسكري لوجستي”، وإنها “تتواصل مع عدة دول بشأن معلومات موثوقة تلقتها عن تورطها هي أو تورط مواطنيها أو كياناتها”.

وقالت جوي شيا، الباحثة الأولى في شؤون السعودية والإمارات في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، والمشاركة في إعداد التقرير حول المرتزقة الكولومبيين الذين دربتهم الإمارات، إن مثل هذه اللغة المؤسسية يمكن أن تغير المعادلة مع مرور الوقت، لكنها اعتبرت أن عدم تسمية دولة بعينها هو “حساب سياسي” يتخذ في مواجهة مصالح اقتصادية وسياسية قائمة.

مصالح على المحك

يأتي النقاش وسط تدقيق متزايد في العلاقات الاقتصادية بين الدول الغربية وأبوظبي. وبحسب تقارير، قال ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية، أمام لجنة برلمانية بريطانية الشهر الماضي إن وزارة الخارجية البريطانية أعطت الأولوية لعلاقة البلاد الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية مع الإمارات على التزاماتها بالمساعدة في منع مذبحة الفاشر. وقال إن آخرين يتبعون النهج نفسه.

وقالت شيا: “كان الرد العلني مخزيا تماما. نحن بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع هذا النزاع، والأدلة على الدعم العسكري الإماراتي لقوات الدعم السريع تتزايد، ومع ذلك لم تخرج دولة واحدة لتسمي الإمارات مباشرة، لا المملكة المتحدة، ولا الاتحاد الأوروبي، ولا الولايات المتحدة”.

وأضافت أن عقودا من التعامل أظهرت أن الإمارات شديدة الحساسية تجاه النقد العلني. وقالت: “تسميتها تحديدا ستقطع شوطا طويلا في الضغط عليها لإنهاء ذلك الدعم، واستخدام نفوذها على قوات الدعم السريع لوقف بعض أفظع انتهاكاتها”.

ورأت أن المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين يتفاوضان على اتفاقيات تجارية مع الخليج، “قدما بوضوح العلاقات التجارية والأمنية على حقوق الإنسان وعلى القلق بشأن حماية المدنيين في السودان”. وقالت إن من الأمثلة على ذلك الرد الفاتر على المحاكمات الجماعية للمعارضين السياسيين داخل الإمارات في عام 2024، في تناقض صارخ مع محاكمات مماثلة في عام 2013، والتي دفعت إلى إدانات علنية وإيفاد مراقبين أجانب للمحاكمات.

وقالت: “لقد أظهر ذلك مدى فعالية الإمارات في توظيف هذه العلاقات الاقتصادية والتجارية لعزل نفسها بالكامل عن أي انتقاد حقوقي من حلفائها”.

ولا تعد الإمارات الدولة الوحيدة التي تواجه تدقيقا بشأن السودان. فقد قال مصدر من منظمة غير حكومية إن مصر انتقدت جماعات المجتمع المدني في الاجتماع غير الرسمي لدفعها باتجاه الإشارة إليها تحديدا في البيانات بسبب دعمها للقوات المسلحة السودانية.

نمط مألوف؟

لم تستغرب شيا سماعها بالحادثة المزعومة في اجتماع المجلس. وقالت إنها اختبرت أساليب الترهيب الإماراتية بشكل مباشر، مستذكرة الضغوط التي واجهتها منظمات غير حكومية في محادثات المناخ كوب 28 في دبي عام 2023، عندما حاولت تنظيم احتجاج ضد الاعتقالات التعسفية في الشرق الأوسط.

وقالت: “كنا قد طبعنا ملصقات لمعارضين إماراتيين، وجعلنا مسؤولو الأمم المتحدة نغطي أسماءهم بشريط لاصق بحيث لا تظهر إلا وجوههم”. وأضافت: “وعندما نفذنا التحرك أخيرا، كان عدد عناصر الأمن الإماراتيين غير الرسميين الحاضرين أكبر من عدد المحتجين، وكانوا هناك بوضوح للترهيب، وكانوا يلتقطون صورا لنا”. وربطت هذه الممارسة بنهج الإمارات في المراقبة.

وقالت: “جزء من أسلوبهم في السيطرة السياسية هو معرفة من يقول ماذا، وأين. التقاط صور بهذه الطريقة يمكن أن يكون جزءا من الترهيب نفسه”

زر الذهاب إلى الأعلى