اعمدة الرأي

وجوه خلف الأسوار .. أيام في سجن بورتسودان (2)رجاء إلى فخامة الرئيس..

رشان أوشي

سألني بعض الأصدقاء مستفسرين: لماذا تجاهلت تلك الحملة الإعلامية الممنهجة التي شنّها عناصر في الحركات المسلحة ، مستهدفين السخرية من آثار السجن على جسدي وبشرتي؟ وكان ردي مقتضباً وحاسماً: أنا كاتبة صحفية ولست “عارضة أزياء”. إنني ألتمس من الجمهور أن يقرأ ما يخطه قلمي، فأدواتي في معترك الحياة ليست جسدي ولا بريق بشرتي، بل هي الكلمة، والقلم، والحقيقة العارية.

نعود بالذاكرة إلى حكايا (43) يوماً قضيتها في سجن بورتسودان المحلي؛ هناك حيث تتمازج مرارة سلب الحرية بالمآسي المجتمعية القاسية. ثمة سيدات في مقتبل العمر، بسيطات في تفكيرهن وتطلعاتهن، قمة طموحهن حياة مستورة توفر أساسيات العيش اليومي. لم يحلمن يوماً بمناصب دستورية، ولم يعرفن الساسة إلا عبر شاشات التلفاز أو الهواتف، نساء يأنسن بالحديث عن الزوج والمنزل، لكنهن وجدن أنفسهن فجأة مدانات في جرائم ثقيلة موجهة ضد الدولة.

أكثر ما آلمني واستقر في وجداني، قصة الطبيبة (ع)، كل جرمها أنها نشرت “حالة” على تطبيق واتساب، ربما راها نفر قليل من محيطها المجتمعي الضيق، وكانت إثر ملاسنة عابرة بينها وبين بعض قريباتها حول انتشار المليشيا في الخرطوم وانسحابات الجيش وقتها. وجدت نفسها محكومة بالسجن لـ 10 سنوات! وبعد رحلة شاقة ومضنية من الاستئنافات والاسترحامات، تم الاكتفاء بربع المدة، وستخرج بعد شهرين. كنا نتناول الطعام معاً، كنت أرتبك أمام كلماتها ،إذ كنت ألمح بوضوح مرارة الظلم والقهر تتردد في نبرات صوتها.

وهناك طالبة طب أخرى، ضاقت بها السبل في شهور الحرب الأولى وهي تعول أسرتها، فلم تجد بداً من تطبيب جرحى المليشيا علّها تجد ما تسد به رمق عائلتها الجائعة. وأخرى خلف القضبان تركت وراءها 4 أبناء بلا معيل.

أما أصغرهن (ص)، فقد كان سريرها يحاذي سريري، وكنت أسمع نحيبها المكتوم يمزق سكون الليل يومياً. تجرأت في أحد الأيام وسألتها عن سر هذا البكاء المرير، فأخبرتني والدموع تخنقها أنها تفتقد صغيرها المريض، وأنها مدانة تحت المواد (50/51) المتعلقة بالجرائم الموجهة ضد الدولة بتهمة التعاون مع الدعم السريع، وكل جريمتها أنها التقطت صورة “سيلفي” ترتدي فيها “الكدمول” أثناء حفل زواج جارتهم من أحد المتمردين في الخرطوم!

اما الخالة (ا)، التي عملت في بيع الطعام كي تساعد زوجها الشرطي في تربية الأبناء،حتى تخرج أكبرهم من الكلية الحربية ضابطا بالجيش السوداني ، وهو برتبة ملازم اول تم أسره بواسطة قوات “الحلو” أيام الدفاع عن كادوقلي ، تقضي هي وزوجها عقوبة السجن ل٢٠عاما بتهمة التعاون مع مليشيا الدعم السريع. إنها مفارقات مدهشة .

إن هؤلاء النسوة، وإن أخطأن أو زلت بهن الأقدام، فهن في حقيقة الأمر ضحايا الفقر المدقع والخطاب القبلي البغيض الذي توظفه النخب السياسية للوصول إلى مآربها، دون أن تطال تلك النخب أحكام الجرائم الموجهة ضد الدولة؛ ذات الدولة التي استقبلت عتاة المتمردين وبذلت لهم أموالها وأفسحت لهم منابرها الإعلامية.

هؤلاء النسوة البسيطات أولى بالعفو العام من أمثال “السافنا” الذي نهب مدينة بحري، وشارك في الحرب بعد أن كسرت المليشيا السجون، عندما كان يقضي فترة انتظار تنفيذ حكم الإعدام لقتله تاجراً؛ وهي القضية التي لا ندري حتى الآن كيف سُوّيت، وما هو مصير حق الدم للقتيل.
سيدي الرئيس عبد الفتاح البرهان.. أنت رجل عرف الناس فيك الشهامة، ونبتّ من منبت كريم، واشتُهرت بالمروءة والإقدام، والسودانيون يشهدون لك بالمواقف النبيلة. ارحم أخواتك المحكومات في الحق العام، وأطلق سراحهن ليعُدن إلى أحضان أطفالهن، ويدعون لك بظهر الغيب بدوام الملك والعمر المديد.
محبتي واحترامي

زر الذهاب إلى الأعلى