
كتب- إبراهيم عدلان- مطار بورتسودان…ما هو مصيره بعد عودة مطار الخرطوم للتشغيل؟- مع الحديث المتزايد عن استئناف الرحلات الدولية عبر مطار الخرطوم، يطرح البعض سؤالاً مشروعاً: هل ستتراجع أهمية مطار بورتسودان؟
الإجابة الواقعية تقول إن أهمية مطار بورتسودان لن تنتهي، بل ربما تدخل مرحلة جديدة أكثر استراتيجية، إذا ما أُحسن التخطيط له وربطه برؤية وطنية شاملة للنقل الجوي والتنمية الاقتصادية والأمن القومي.
لقد أثبتت الحرب أن الدول لا تبني منظوماتها الجوية على مطار واحد فقط، وأن الاعتماد الكامل على العاصمة يمثل مخاطرة استراتيجية كبيرة. ومن هنا برز مطار بورتسودان ليس كمطار بديل مؤقت، وإنما كبوابة سيادية حيوية للسودان على البحر الأحمر والعالم الخارجي.
بورتسودان لم تكن بديلاً فقط… بل شريان حياة
خلال فترة الحرب، تحولت بورتسودان إلى العاصمة الإدارية المؤقتة ومركز الحركة الدبلوماسية والإنسانية والتجارية. وأصبح مطارها المنفذ الجوي الرئيسي للبلاد، تمر عبره الوفود الرسمية، والمساعدات الإنسانية، وحركة المواطنين، وشركات الطيران.
وقد كشف ذلك عن حقيقة مهمة:
السودان في حاجة إلى أكثر من مركز جوي واحد، وإلى توزيع حقيقي للبنية التحتية للطيران المدني.
مطار بورتسودان… مطار استراتيجي لا بديل مؤقت
يُعتبر مطار بورتسودان الدولي مطاراً استراتيجياً بكل المقاييس، وليس مجرد مطار إقليمي أو محطة تشغيل مؤقتة فرضتها ظروف الحرب. فقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن وجود منفذ جوي قوي على ساحل البحر الأحمر يمثل ضرورة سيادية وأمنية واقتصادية للدولة السودانية.
تكمن الأهمية الاستراتيجية للمطار في موقعه الجغرافي الفريد، إذ يربط السودان مباشرة بالعالم عبر البحر الأحمر، ويجاور واحداً من أهم الممرات البحرية الدولية. وهذا الموقع يمنحه ميزة كبيرة في مجالات النقل الجوي، والشحن، والخدمات اللوجستية، وحركة التجارة والاستثمارات.
كما أن مطار بورتسودان لعب خلال فترة الحرب دوراً محورياً في الحفاظ على اتصال السودان بالعالم الخارجي، حيث أصبح المنفذ الرئيسي للرحلات الدولية، والمساعدات الإنسانية، والبعثات الدبلوماسية، وحركة المواطنين. وقد كشف ذلك بوضوح خطورة الاعتماد على مطار واحد فقط لإدارة الحركة الجوية في دولة مترامية الأطراف مثل السودان.
ومن الناحية الأمنية والسيادية، فإن وجود مطار دولي متكامل خارج العاصمة يمثل جزءاً من منظومة حماية الدولة واستمرارية مؤسساتها في أوقات الأزمات والكوارث والطوارئ. فالدول الحديثة لا تبني بنيتها الجوية على مركز وحيد، بل تعتمد على تعدد المراكز الاستراتيجية لضمان الاستقرار التشغيلي والاقتصادي.
الموقع الاستراتيجي لبورتسودان
تتمتع مدينة بورتسودان بمزايا لا تتوفر في كثير من المدن السودانية:
- موقع مباشر على البحر الأحمر.
- قرب نسبي من خطوط الملاحة الجوية والبحرية الدولية.
- ارتباط طبيعي بالموانئ البحرية والتجارة الخارجية.
- إمكانية التحول إلى مركز لوجستي إقليمي.
- قدرة على خدمة شرق السودان والدول المجاورة مستقبلاً.
ولهذا فإن مطار بورتسودان لا ينبغي النظر إليه كمطار “احتياطي”، بل كمطار استراتيجي دائم ضمن منظومة المطارات الوطنية.
العالم لا يعتمد على مطار واحد
الدول الكبرى والإقليمية تعتمد على تعدد المراكز الجوية.
ففي السعودية مثلاً توجد مراكز رئيسية في الرياض وجدة والدمام، وفي الإمارات دبي وأبوظبي والشارقة، وفي مصر القاهرة وبرج العرب والغردقة.
أما السودان فقد ظل لعقود يركز معظم الحركة الدولية في مطار الخرطوم وحده، وهو ما خلق اختناقات تشغيلية وتنموية وحتى سياسية.
الحرب أثبتت أن مركزية الطيران قد تتحول إلى نقطة ضعف وطنية.
ما المتوقع بعد عودة مطار الخرطوم؟
من الطبيعي أن يستعيد مطار الخرطوم الدولي جزءاً كبيراً من الحركة الجوية الدولية بحكم الموقع والكثافة السكانية والبنية التاريخية لشركات الطيران.
لكن ذلك لا يعني انكماش دور بورتسودان، بل المتوقع هو:
- استمرار الرحلات الإقليمية والدولية المنتظمة.
- نمو حركة الشحن الجوي المرتبطة بالموانئ.
- توسع الرحلات الإنسانية والتجارية.
- زيادة دوره كمطار احتياطي استراتيجي.
- إمكانية تطويره كمركز صيانة وتموين وخدمات لوجستية.
بل إن بعض شركات الطيران قد تفضل الإبقاء على تشغيلها إلى بورتسودان لما وفرته المدينة من استقرار نسبي خلال الأزمة.
ضرورة الربط المالي بين مطاري الخرطوم وبورتسودان
من القضايا المهمة التي ينبغي الانتباه لها في مرحلة ما بعد الحرب، ضرورة إقامة تكامل مالي وتشغيلي بين مطار الخرطوم ومطار بورتسودان، بدلاً من التعامل معهما كمطارين متنافسين أو منفصلين في التخطيط والإيرادات.
فمطار بورتسودان خلال فترة الحرب تحمّل عبئاً وطنياً كبيراً، وأصبح المنفذ الجوي الرئيسي للسودان، مما أكسبه خبرات تشغيلية وحركة مالية وتجارية مهمة. وفي المقابل، سيظل مطار الخرطوم بحكم موقعه التاريخي والديمغرافي المركز الأكبر للحركة الجوية مستقبلاً.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى صيغة تكامل مالي واستراتيجي بين المطارين، بحيث تسهم عائدات وحركة مطار الخرطوم في دعم وتطوير مطار بورتسودان، باعتباره مطاراً استراتيجياً وسيادياً يمثل خط الدفاع التشغيلي الثاني للدولة السودانية.
إن التجارب العالمية تؤكد أن المطارات الاستراتيجية لا تُقاس فقط بحجم أرباحها التجارية المباشرة، بل بقيمتها الوطنية وقت الأزمات والطوارئ. لذلك فإن الإبقاء على مطار بورتسودان في حالة جاهزية عالية يتطلب:
- تخصيص موارد مالية ثابتة للتطوير والصيانة.
- ربط خطط الاستثمار والتشغيل بين المطارين.
- توحيد الرؤية الإدارية والفنية ضمن استراتيجية قومية للمطارات.
- ضمان عدم تراجع الخدمات والملاحة الجوية ببورتسودان بعد عودة النشاط الكامل للخرطوم.
كما أن هذا الربط المالي يمكن أن يخلق نوعاً من التوازن التنموي بين وسط السودان وشرقه، ويمنع العودة إلى المركزية المطلقة التي أثبتت الحرب هشاشتها وخطورتها.
فالسودان اليوم بحاجة إلى منظومة مطارات مترابطة ومتكاملة، لا إلى مطار مركزي واحد يحتكر الحركة والإمكانات. وبقاء مطار بورتسودان قوياً ومستقراً يجب أن يُنظر إليه كجزء من الأمن القومي والبنية السيادية للدولة، لا كمجرد مشروع اقتصادي قابل للتقليص أو التهميش.
خطورة إدراج مطار بورتسودان ضمن المطارات الولائية
ومن القضايا الجوهرية التي يجب التنبيه إليها كذلك، أن وضع مطار بورتسودان ضمن منظومة “المطارات الولائية” في ظل التقسيم الإداري الذي شهده قطاع الطيران المدني خلال السنوات الماضية، سيكون خطأً استراتيجياً كبيراً قد ينعكس سلباً على مستقبل المطار ودوره القومي.
فمطار بورتسودان ليس مطاراً محلياً محدود التأثير حتى يُدار بعقلية الولاءات الجغرافية أو الحسابات الإدارية الضيقة، بل هو مطار سيادي واستراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن القومي السوداني، وبحركة الدولة الخارجية، وبالمنفذ البحري الأهم للبلاد.
لقد تجاوز المطار عملياً مفهوم “المطار الولائي” منذ اندلاع الحرب، حين أصبح البوابة الجوية الرئيسية للسودان، ومركز الحركة الدبلوماسية والإنسانية والتجارية، وهو ما يفرض ضرورة التعامل معه كمرفق قومي ذي طبيعة خاصة.
كما أن إخضاع مطار بهذه الأهمية لإدارة ولائية أو لهيكل إداري محدود الإمكانات قد يؤدي إلى:
- إضعاف قدرته على جذب الاستثمارات والتطوير.
- تعقيد عمليات التمويل والتخطيط طويل المدى.
- خلق تضارب في الصلاحيات بين المستويات المركزية والولائية.
- التأثير على سرعة اتخاذ القرار في الظروف الطارئة.
- تقليص دوره الاستراتيجي في منظومة النقل القومي.
لذلك فإن المطلوب هو الإبقاء على مطار بورتسودان ضمن المطارات القومية الاستراتيجية التي تخضع لإدارة مركزية ذات كفاءة فنية ومالية عالية، مع منحه وضعاً خاصاً يتناسب مع دوره الوطني والإقليمي.
فالتجارب الدولية تؤكد أن المطارات ذات البعد السيادي أو الاقتصادي الحساس تُدار غالباً ضمن هياكل قومية مستقلة، بعيداً عن التشتت الإداري أو التجزئة المؤسسية، خاصة في الدول التي تمر بمراحل إعادة بناء واستقرار.
ومن هنا، فإن مستقبل مطار بورتسودان يجب أن يُبنى على أساس أنه أحد أعمدة السيادة السودانية الحديثة، وليس مجرد مطار ولائي يمكن إدراجه ضمن التقسيمات الإدارية التقليدية.
أهمية تسويق مطار بورتسودان كوجهة ثانية للشركات الأجنبية
ومن المهم كذلك أن تعمل الدولة وسلطات الطيران المدني على تسويق مطار بورتسودان كوجهة دولية ثانية للشركات الأجنبية، لا أن يقتصر النشاط الدولي مستقبلاً على مطار الخرطوم وحده.
فالتجربة التي مرت بها شركات الطيران الأجنبية خلال الحرب منحت مطار بورتسودان حضوراً فعلياً على خارطة التشغيل الإقليمي، وأثبتت قدرته على استقبال الرحلات الدولية والتعامل مع الحركة الجوية المنتظمة في ظروف معقدة.
ولهذا ينبغي استثمار هذه التجربة عبر بناء سياسة تسويقية وتشغيلية جديدة تقوم على:
- تشجيع الناقلات الأجنبية على الإبقاء على رحلاتها إلى بورتسودان.
- تقديم حوافز تشغيلية ورسوم تفضيلية.
- تطوير خدمات المناولة الأرضية والشحن والتموين.
- تسويق المدينة كمركز اقتصادي وسياحي ولوجستي على البحر الأحمر.
- ربط المطار بحركة الموانئ البحرية والتجارة الإقليمية.
كما أن وجود وجهة دولية ثانية فعالة داخل السودان يمنح شركات الطيران مرونة تشغيلية أكبر، ويقلل من مخاطر الاعتماد على مطار واحد، خاصة في أوقات الأزمات أو التوترات الأمنية أو الكوارث الطبيعية.
وإذا أُحسن التخطيط، يمكن لمطار بورتسودان أن يتحول مستقبلاً إلى مركز جذب لحركة الشحن الجوي والرحلات الإقليمية، وربما إلى محطة عبور لبعض الخطوط العابرة للبحر الأحمر وشرق أفريقيا.
إن نجاح مطار بورتسودان لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره خصماً على مطار الخرطوم، بل إضافة استراتيجية لمنظومة الطيران المدني السوداني بأكملها.
ما المطلوب للحفاظ على أهمية مطار بورتسودان؟
أولاً: منع العودة إلى المركزية القديمة
يجب ألا تؤدي عودة مطار الخرطوم إلى إهمال مطار بورتسودان أو تجفيف موارده البشرية والفنية.
ثانياً: تطوير البنية التحتية
المطلوب تحديث:
- مباني الركاب.
- أنظمة الملاحة الجوية.
- ساحات الطائرات.
- خدمات الشحن.
- منظومات السلامة والأمن.
ثالثاً: إنشاء منطقة لوجستية حرة
ربط المطار بالميناء البحري يمكن أن يحول بورتسودان إلى مركز إقليمي للشحن متعدد الوسائط.
رابعاً: تشجيع شركات الطيران
عبر:
- تخفيض الرسوم التشغيلية.
- منح حوافز للناقلات.
- فتح خطوط مباشرة مع الخليج وأفريقيا.
خامساً: تثبيت دوره في الخطط الوطنية
ينبغي أن يُعتمد مطار بورتسودان ضمن استراتيجية طويلة المدى للطيران المدني السوداني، لا كحل ظرفي فرضته الحرب.
البعد السيادي والأمني
وجود مطار دولي قوي على ساحل البحر الأحمر ليس قضية نقل فقط، بل قضية سيادة وأمن قومي وتنمية اقتصادية.
فالمطارات الحديثة أصبحت أدوات تأثير استراتيجي، ومراكز للحركة الاقتصادية والإنسانية والسياسية.
ولهذا فإن الحفاظ على قوة مطار بورتسودان يمثل استثماراً في استقرار السودان ومستقبله، وليس منافسة مع مطار الخرطوم.
خاتمة
عودة مطار الخرطوم حدث مهم وضروري لعودة الحياة الطبيعية في السودان، لكن من الخطأ الاستراتيجي أن تُفهم هذه العودة باعتبارها نهاية لدور مطار بورتسودان.
لقد أثبتت التجربة أن السودان يحتاج إلى منظومة مطارات متعددة المراكز، قادرة على مواجهة الأزمات ودعم التنمية وتحقيق التوازن الجغرافي.
ومطار بورتسودان اليوم ليس مجرد مطار إقليمي، بل أصل وطني استراتيجي يجب الحفاظ عليه وتطويره وتعزيز مكانته ضمن مستقبل الطيران المدني السوداني



