
كتب ابوبكر عبدالله الباحث في الشؤون الافريقية والشرق اوسيطة قائلا: زيارة وزير الخارجية الإثيوبي الأخيرة إلى واشنطن لم تكن مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل تعكس إدراكاً متزايداً في أديس أبابا بأن التوازنات الإقليمية من حولها تتحرك بسرعة، وأن البقاء في موقع المتلقي قد يكلّفها الكثير.
لذلك تتحرك إثيوبيا اليوم بمنطق استباقي، محاولةً تثبيت حضورها داخل دوائر القرار الأمريكية قبل أن تُرسم ترتيبات جديدة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
مصادر القلق الإثيوبي متعددة ومتقاطعة أولها إريتريا، التي عادت لتحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الأمريكية مع تصاعد أهمية البحر الأحمر بعد الهجمات الحوثية على الملاحة الدولية فامتلاك أسمرة لساحل طويل وميناء عصب يمنحها قيمة جيوسياسية متزايدة، ويثير مخاوف إثيوبيا من أن أي تقارب أمريكي-إريتري قد يتركها محاصرة جغرافياً وسياسياً، خصوصاً في ظل افتقارها لأي منفذ بحري.
أما الضلع الثاني فيتعلق بسد النهضة، حيث تنظر أديس أبابا بقلق إلى التحركات المصرية المتزايدة في البحر الأحمر وعلاقات القاهرة المتنامية مع إريتريا. فإثيوبيا ترى أن مصر تحاول توسيع الضغط عليها من ملف المياه إلى المجال البحري والأمني، مستفيدة من تقاربها مع واشنطن. وفي ظل تبني إدارة ترامب مواقف أكثر قرباً من الرؤية المصرية في بعض مراحل الأزمة، تبدو أديس أبابا حذرة من أي دور أمريكي قد يفرض عليها قيوداً في ملف تعتبره قضية سيادة وطنية.
الملف السوداني بدوره يضيف تعقيداً آخر. فالاتهامات المتكررة بشأن استخدام أراضٍ إثيوبية في دعم عمليات مرتبطة بالحرب السودانية (الدعم السريع) تضع الحكومة الإثيوبية في موقع دفاعي حساس، خاصة مع تصاعد الحديث الأمريكي عن “حروب الوكالة” في المنطقة. وبينما تنفي أديس أبابا أي تورط مباشر، فإنها تدرك أن استمرار هذه الاتهامات قد يضر بعلاقاتها مع الغرب ويعمق عزلتها الإقليمية.
في هذا السياق، يبدو توقيع “إطار الحوار الثنائي المنظم” مع واشنطن خطوة تتجاوز بعدها التقني. فالإطار يمنح إثيوبيا قناة اتصال دائمة مع الإدارة الأمريكية، ويضمن لها حضوراً داخل النقاشات المتعلقة بمستقبل شرق أفريقيا والبحر الأحمر، كما يبعث برسالة بأن العلاقة بين الطرفين ما زالت قائمة على الشراكة المؤسسية رغم التوترات.
الرسالة الأهم في التحرك الإثيوبي هي أن أديس أبابا لا تريد أن تُفاجأ بترتيبات إقليمية تُفرض عليها من الخارج. فآبي أحمد يدرك أن الدول التي تغيب عن طاولات التفاوض تجد نفسها غالباً أمام وقائع لا تستطيع تغييرها لاحقاً. لذلك تسعى إثيوبيا إلى الانخراط مبكراً في إعادة تشكيل التوازنات، حتى وإن كانت أوراقها الحالية معقدة ومتشابكة.
وعلى المدى القصير، يبدو السيناريو الأقرب هو استمرار واشنطن في سياسة التوازن بين إثيوبيا وإريتريا دون الانحياز الكامل لأي طرف. لكن إذا تطور التقارب الأمريكي مع أسمرة، ووجدت مصر وإريتريا نفسيهما ضمن محور يحظى بدعم أمريكي أوسع، فقد تواجه إثيوبيا خيارات أكثر صعوبة، تبدأ من تقديم تنازلات في بعض الملفات، ولا تنتهي بإعادة تموضعها نحو قوى دولية منافسة للنفوذ الأمريكي.
المفارقة أن إثيوبيا، رغم كونها دولة حبيسة بلا منفذ بحري، تبقى واحدة من أكثر دول القرن الأفريقي تأثيراً في معادلات الأمن والمياه والتجارة. وهذا ما يجعلها في الوقت نفسه شريكاً لا يمكن تجاوزه، ومصدراً دائماً للقلق بالنسبة لأي قوة تسعى لإعادة هندسة استقرار المنطقة.



