
تقرير : ضياءالدين سليمان
تلقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضربة سياسية قاسية في انتخابات التجديد النصفي، بعدما مني الحزب الجمهوري بخسارة كبيرة أمام الحزب الديمقراطي الذي نجح في قلب موازين القوى وانتزاع السيطرة على الكونغرس في تطور يعكس حجم التحولات التي شهدها المزاج الانتخابي الأمريكي واتساع دائرة الاستياء من سياسات الإدارة الجمهورية.
وتمثل النتائج انتكاسة كبيرة لترامب الذي خاض الانتخابات باعتبارها اختباراً لشعبيته وقدرته على مواصلة تنفيذ برنامجه السياسي غير أن صناديق الاقتراع حملت رسالة مغايرة وضعت البيت الأبيض أمام واقع سياسي معقد بعدما فقد الحزب الحاكم الغطاء التشريعي الذي كان يوفر له حرية أكبر في تمرير القوانين والقرارات.
ولا تبدو الخسارة مجرد تراجع انتخابي وإنما مؤشر على اهتزاز الثقة في الإدارة الأمريكية خصوصاً أن الانتخابات جاءت في منتصف الولاية الرئاسية وهي محطة عادة ما تتحول إلى استفتاء شعبي على أداء الرئيس ترمب وحزبه.
سيطرة الديمقراطيين
شكل فوز الديمقراطيين بمجلسي النواب والشيوخ التطور الأبرز في انتخابات التجديد النصفي بعدما تمكنوا من قلب موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية وإنهاء السيطرة الجمهورية التي منحت ترامب خلال العامين الماضيين مساحة واسعة للتحرك وتمرير مشروعاته دون معارضة برلمانية مؤثرة.
وتكتسب هذه الخسارة أهمية استثنائية بالنظر إلى طبيعة الانتخابات النصفية التي تُجرى في منتصف الولاية الرئاسية وتُستخدم عادة لقياس مدى رضا الناخبين عن أداء الرئيس وحزبه كما تمثل اختباراً شعبياً لقدرته على الاحتفاظ بالدعم الذي أوصله إلى السلطة.
وبالسيطرة على المجلسين يدخل ترامب مرحلة سياسية أكثر تعقيداً إذ سيكون مضطراً للتعامل مع كونغرس تهيمن عليه المعارضة الديمقراطية وهو ما قد يعرقل تمرير التشريعات والميزانيات التي تحتاج إلى موافقة الكونغرس ويمنح الديمقراطيين أدوات رقابية واسعة لمحاسبة الإدارة الأمريكية وفتح تحقيقات بشأن عدد من ملفاتها.
سقوط المعاقل
وشكلت خسارة عدد من الولايات والمقاعد التي ظلت لعقود محسوبة على الجمهوريين أبرز ملامح الهزيمة بعدما تمكن الديمقراطيون من تحقيق اختراقات انتخابية في مناطق كانت تمثل حصوناً تقليدية لخصومهم من بينها تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية في تطور أربك حسابات الحزب الجمهوري وأثار تساؤلات بشأن قدرته على الاحتفاظ بقاعدته الانتخابية.
ولم تتوقف المفاجآت عند حدود النتائج الجغرافية بل امتدت إلى المرشحين الذين حظوا بدعم مباشر من ترامب حيث أخفق عدد منهم في حسم السباقات لصالحهم رغم الحضور المكثف للرئيس في الحملات الانتخابية ومحاولاته توظيف شعبيته لحشد الناخبين.
ويرى مراقبون أن هذه النتائج تكشف عن تراجع نسبي في قدرة ترامب على تحويل نفوذه داخل الحزب إلى أصوات انتخابية كما تضع قيادات الجمهوريين أمام مراجعة صعبة لاستراتيجيتهم السياسية خاصة أن استمرار خسارة الولايات التقليدية قد يهدد فرص الحزب في الاستحقاقات المقبلة ويضعف موقعه في مواجهة الديمقراطيين.
عقاب ترامب
ويقول الدكتور خالد الطريفي استاذ العلوم السياسية ان أسباب الهزيمة ترجع الي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة باعتبارها من أبرز العوامل التي أثرت في خيارات الناخبين إذ تصاعدت الشكاوى من الضغوط المعيشية وارتفاع أسعار السلع والخدمات إلى جانب المخاوف من انعكاسات الرسوم الجمركية والسياسات التجارية على الاقتصاد الأمريكي.
ويضيف الطريفي ان التوترات الخارجية والحرب مع إيران ألقت بظلالها على المشهد الانتخابي وسط تساؤلات بشأن كلفة الانخراط العسكري وتداعياته على أسعار الطاقة والإنفاق الحكومي والأمن الاقتصادي.
واستطاع الديمقراطيون توظيف هذه الملفات في حملاتهم الانتخابية مقدمين أنفسهم بديلاً عن السياسات التي انتهجتها إدارة ترامب ومركزين على إخفاقات الحكومة في معالجة القضايا التي تمس الحياة اليومية للأمريكيين.
ويؤكد استاذ العلوم السياسية ان تراجع الدعم في بعض الأوساط الشبابية والناخبين من أصول لاتينية ساهم في إضعاف الموقف الجمهوري بعدما لم يتمكن الحزب من الحفاظ على مستويات التأييد التي حققها في الانتخابات الرئاسية السابقة، وهو ما يعكس أن الاعتبارات الاقتصادية والمعيشية ظلت أكثر تأثيراً من الشعارات السياسية لدى قطاعات واسعة من الناخبين.
ترامب يرفض
وفي أول ردود فعله حاول ترامب التقليل من الأبعاد السياسية للهزيمة مشيراً إلى أنه لم يكن مرشحاً في الانتخابات ومعتبراً أنه كان سيحقق فوزاً كبيراً لو ظهر اسمه على ورقة الاقتراع في محاولة واضحة للفصل بين خسارة مرشحي حزبه وبين تقييم شعبيته الشخصية.
غير أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس تضع الرئيس الأمريكي أمام مرحلة أكثر تعقيداً إذ تمنح المعارضة سلطات رقابية وتشريعية واسعة تمكنها من فتح تحقيقات بشأن أداء الإدارة واستدعاء المسؤولين، ومراجعة السياسات الحكومية فضلاً عن عرقلة عدد من مشروعات القوانين والميزانيات والتعيينات التي تحتاج إلى موافقة المؤسسة التشريعية.
ومن المتوقع أن تتحول العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس إلى ساحة مواجهة سياسية مفتوحة، خاصة في ملفات الهجرة والضرائب والإنفاق والسياسة الخارجية بما قد يعرقل تنفيذ العديد من تعهدات ترامب الانتخابية.
ورغم احتفاظ الرئيس بصلاحياته الدستورية فإن فقدان السيطرة على المجلسين يعني عملياً تقلص هامش المناورة أمامه واضطراره إلى التعامل مع معارضة تمتلك أدوات ضغط مؤثرة
ملف السودان
ومن المتوقع أن يكون لسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس تأثير مباشر على طريقة إدارة الملف السوداني داخل المؤسسات الأمريكية خاصة أن عدداً من أعضاء الحزب الديمقراطي ظلوا أكثر اهتماماً بملفات حقوق الإنسان والمحاسبة ووقف الانتهاكات إلى جانب المطالبة بممارسة ضغوط على الأطراف الخارجية التي تسهم في استمرار الحرب.
وفي هذا الجانب يقول الدكتور خالد الطريفي ان تشكيل الكونغرس الجديد سيكون منصة أكثر نشاطاً لمناقشة الدور الإقليمي في الصراع السوداني وسيفتح جلسات استماع بشأن مصادر السلاح والتمويل والدعم اللوجستي الذي يصل إلى الدعم السريع تحديداً.
وفي هذا السياق سبق لقيادات من الحزبين الديمقراطي والجمهوري أن طرحت في يونيو 2026 مشروع قانون «السلام في السودان» (PEACE in Sudan Act) الذي يستهدف محاسبة الجهات التي تغذي الحرب في السودان وتوسيع العقوبات على داعمي الأطراف المسلحة وتعزيز دور المبعوث الأمريكي الخاص بالسودان.
وهو ما يعني أن الملف السوداني يمتلك بالفعل أرضية تشريعية عابرة للحزبين يمكن أن تتحول إلى تحرك أكثر جدية في المرحلة المقبلة.



