جاء اللقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان، في موسكو على هامش القمة الروسية الإفريقية، ليفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مسار العلاقات بين البلدين، وأهداف موسكو في السودان، وما تسعى الخرطوم إلى الحصول عليه، في ظل التوترات الجيو سياسية التي تشهدها المنطقة.
وقال خبراء لـ”الشرق” إن الخرطوم تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية، تشمل الحصول على دعم دبلوماسي روسي في المحافل الدولية، ولا سيما مجلس الأمن، والاستفادة من التعاون العسكري والتسليح والتدريب، إلى جانب تأمين احتياجاتها من السلع الأساسية وفتح قنوات بديلة للتعاملات المالية في ظل القيود المصرفية الغربية.
وأضافوا أن موسكو تنظر في المقابل إلى السودان باعتباره شريكاً يتيح لها توسيع حضورها السياسي والاقتصادي في إفريقيا والعالم العربي، والاستفادة من موقعه الاستراتيجي على ساحل البحر الأحمر، فضلاً عن فرص الاستثمار في قطاعات التعدين والطاقة والبنية التحتية، وتعزيز التعاون العسكري، بما في ذلك مشروع إنشاء نقطة دعم لوجستي لأسطولها البحري في بورتسودان.
وقال السفير الروسي السابق لدى السودان، أنوربيك فازليانوف، لـ”الشرق” إن الحوار السياسي بين روسيا والسودان وتوسيع التعاون بينهما “يجريان على المستويين الثنائي والمتعدد الأطراف”. واعتبر أن المباحثات التي جمعت بوتين والبرهان “كرّست انتقال العلاقات الثنائية إلى مستوى جديد”.
وأضاف أن موسكو تنظر إلى السودان باعتباره “شريكاً مهماً” يمتلك إمكانات اقتصادية وموقعاً جغرافياً استراتيجياً يتيح لها توسيع حضورها في القارة الإفريقية والعالم العربي.
ورأى فازليانوف، الذي عمل سفيراً لبلاده لدى السودان بين 2007 و2013، أن الأجندة الرئيسية للعلاقات بين البلدين تقوم على “المبادرات الجيو اقتصادية الكبرى والشراكة التجارية وقضايا الأمن”، مشيراً إلى أن السودان يحتاج إلى الاستثمارات “لتوظيف إمكاناته الاقتصادية”.
ولفت السفير السابق إلى أن المقترح السوداني الرسمي لإنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر يمثل أحد الملفات المهمة في مستقبل التعاون بين البلدين، معتبراً أن الموقع الجغرافي المتميز للسودان يجعله “بوابة إلى إفريقيا”.
وأشار فازليانوف إلى أن القضايا الأمنية “تشكل أحد المحاور الرئيسية للأجندة المشتركة بين موسكو والخرطوم، إلى جانب المبادرات الجيو اقتصادية والشراكة التجارية”.
التعاون العسكري.. البحر الأحمر وصفقات السلاح
وفي ظل استمرار الحرب في السودان، تبرز صفقات السلاح والتعاون العسكري باعتبارهما أبرز مجالات المصالح المشتركة بين الطرفين، إذ يحتاج الجيش السوداني إلى تأمين العتاد والتجهيزات العسكرية، في حين تتيح هذه الصفقات لروسيا توسيع سوق صادراتها العسكرية وتعزيز علاقاتها مع المؤسسة العسكرية السودانية.
ويمتد التعاون العسكري أيضاً إلى التدريب ونقل الخبرات، إذ سبق أن أكد نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوجدانوف عام 2019 وجود مدربين روس في السودان، حكوميين وآخرين تابعين لشركات خاصة، استجابة لطلبات سودانية لتدريب الكوادر. كما تضمنت اتفاقات التعاون العسكري الموقعة بين البلدين تدريب القوات السودانية على استخدام وصيانة الأسلحة والمعدات الروسية.
ويبرز مشروع إنشاء نقطة دعم لوجستي للبحرية الروسية في بورتسودان باعتباره أحد أبرز الملفات الاستراتيجية في العلاقات بين البلدين، فالاتفاق الموقع عام 2020 يتيح لروسيا استخدام المنشأة لاستقبال ما يصل إلى 4 سفن حربية، بينها سفن تعمل بالطاقة النووية، على ألا يتجاوز عدد العسكريين والموظفين المدنيين فيها 300.
ورغم إعلان الجانبين التوصل إلى تفاهم بشأن المشروع في فبراير 2025، فإن تنفيذه لا يزال متوقفاً، إذ أعلنت موسكو في نوفمبر من العام نفسه تعليق التقدم فيه بسبب استمرار الحرب في السودان.
وفي تقييمه لمستقبل العلاقات بين البلدين، وصف فازليانوف آفاق التعاون بين موسكو والخرطوم بأنها “واعدة”، لكنه رأى أنها “لا تخلو من مخاطر داخلية وخارجية”.
وأكد أن تحقيق إمكانات هذه العلاقات يتطلب “تضافر الجهود لتهيئة ظروف سياسية وأمنية مستقرة، إلى جانب تطوير التعاون في المجالات الاقتصادية والصحية واللوجستية والتكنولوجية، بما يتيح تحويل التفاهمات والمبادرات المشتركة إلى مشاريع ملموسة”.
مكاسب الخرطوم
على الجانب السوداني، قال أمين إسماعيل مجذوب، خبير إدارة الأزمات والتفاوض بمركز البحوث والدراسات الاستراتيجية، لـ”الشرق” إن التوجه السوداني نحو روسيا “يأتي في إطار استراتيجية قديمة تقوم على تنويع العلاقات الخارجية شرقاً وغرباً، إلا أن الضغوط الأميركية الراهنة، وما يصفه بفرض أجندات خارجية على السودان، دفعت الخرطوم إلى البحث عن حليف سياسي وسند دولي لمواجهة تلك الضغوط”.
تشهد العلاقات بين موسكو والخرطوم، خطوات متسارعة، بعدما عاد إلى الواجهة الحديث عن اتفاق سوداني روسي يمنح الأخيرة مركز دعم فني ولوجستي عسكري في بورتسودان.
وأضاف مجذوب أن الاعتبارات الاقتصادية تمثل أحد دوافع هذا التوجه “في ظل حاجة السودان إلى تأمين إمدادات البترول والقمح والحديد والأسمنت وغيرها من المتطلبات الأساسية”.
وأشار إلى القيود المرتبطة بالتعاملات المصرفية ونظام “سويفت” للمراسلات المالية، وهو الأمر الذي يدفع الخرطوم إلى “البحث عن بدائل مالية واقتصادية عبر روسيا والصين”.
وفي ما يتعلق بالمكاسب الأمنية، أوضح الخبير السوداني أنها تشمل إمكانية توقيع اتفاقيات للتعاون الدفاعي، وتدريب الكوادر العسكرية والأمنية، والاستفادة من الخبرات الروسية في المجالات الدفاعية.
وعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي، أشار مجذوب إلى أن السودان يسعى إلى ضمان استمرار الموقف الروسي المساند له داخل مجلس الأمن “في مواجهة الضغوط المتعلقة بتوسيع حظر الطيران ليشمل جميع الأراضي السودانية، والاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية، فضلاً عن العقوبات المفروضة على الحكومة السودانية”، معتبراً أن هذه الملفات “أسهمت في تعزيز التفاهمات” بين الخرطوم وموسكو.
فرص إعادة الإعمار
واعتبر قاسم عبد الله الظافر، الاقتصادي المتخصص في التحليل المالي وإدارة الاستثمار، أن روسيا قادرة على “لعب دور كبير في إعادة إعمار السودان”، خصوصاً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتعدين، لكن الاستفادة من هذه الإمكانات “تظل مرهونة بمدى وضوح الرؤية الاستراتيجية السودانية تجاه موسكو وحلفائها”.
وأضاف لـ”الشرق” أن الشركات الروسية يمكن أن تمثل “شريكاً مهماً للسودان في قطاعي الذهب والمعادن الصلبة، إلى جانب قطاع الطاقة وتعزيز القدرات العسكرية والدفاعية”.
وأشار إلى أن روسيا تسعى إلى “توسيع نفوذها السياسي والجيو سياسي في المنطقة، وهو ما يجعل بناء علاقات استراتيجية معها فرصة يمكن للسودان توظيفها لتحقيق مصالحه الاقتصادية”.
قال مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، إن روسيا قدمت “رؤية” لإيجاد حل في السودان، ولكن لا يوجد “مبادرة محددة”.
وأوضح الظافر أن المشكلة الأساسية لا تكمن في محدودية القدرات الروسية أو غياب الرغبة لدى موسكو، وإنما في “عدم حسم السودان توجهه الاستراتيجي، واستمرار تعامله مع روسيا والصين والغرب وفق حسابات تكتيكية ومناورات سياسية، دون وجود رؤية وطنية واضحة تحدد طبيعة الشراكات وأهدافها”.
وأشار إلى أن التقارب السوداني الأخير مع روسيا جاء إلى حد كبير “في سياق رد الفعل على المواقف الأميركية تجاه السودان، وليس نتيجة توجه استراتيجي مستقر نحو الشرق”، معتبراً أن هذا النهج “يضعف ثقة الشركاء المحتملين في جدية التوجه السوداني وقدرته على بناء علاقات طويلة الأمد”.
ولفت الظافر إلى أن الحديث عن المنطقة الحرة والقاعدة العسكرية الروسية في السودان يعكس “اختلافاً في أولويات الطرفين، إذ يبدو أن المؤسسة العسكرية السودانية أكثر اهتماماً بالقاعدة العسكرية، بينما لا تمثل الاستثمارات في المناطق الحرة أولوية واضحة في النموذج الاقتصادي الروسي، مقارنة بما يمكن أن تقدمه شركاتها في قطاعات التعدين والطاقة والتسليح”.
وشدد على ضرورة إنشاء مفوضية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة، تتولى بناء شراكات اقتصادية واستثمارية طويلة الأمد مع روسيا والصين والسعودية وغيرها “بعيداً عن التغيرات السياسية وتبدل الحكومات، بما يضمن تحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات اقتصادية وتنموية ملموسة”.
وحدد الاقتصادي السوداني ثلاثة متطلبات للاستفادة من الفرص الروسية، تتمثل في “اتخاذ موقف استراتيجي واضح تجاه الشراكة مع الشرق، وتوحيد الرؤية الوطنية بشأن طبيعة العلاقات وأهدافها، وإنشاء مؤسسات متخصصة تتولى متابعة هذه الشراكات وتطويرها وضمان استدامتها”.
وقال الظافر إن روسيا يمكن أن تقدم للسودان الكثير في مجالات إعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية والتعدين، لكن تحقيق ذلك يتطلب “انتقال السودان من سياسة المناورات والتقارب التكتيكي إلى بناء علاقات استراتيجية مؤسسية قائمة على مشاريع واضحة ومصالح متبادلة”.
الشرق



