اعمدة الرأي

ضياءالدين سليمان يكتب .. لا سلطة تعلو على دماء الشهداء يا والي الخرطوم

  • ليس هناك ما هو أثقل على النفوس من أن يشعر ذوو الشهداء بأن تضحيات أبنائهم لم تجد ما تستحقه من وفاء ولا ما هو أكثر إيلاماً من أن تُلغى فعالية خُصصت لتأبين من بذلوا أرواحهم دفاعاً عن الوطن بعد أن كانت قد أُعلن عنها واستعدت لها الأسر والرفاق والمحبون.
  • تفاجأت الأسر والأصدقاء بإلغاء فعالية تأبين شهداء معركة الكرامة بمنطقة أم صميمة التي كان مقرراً إقامتها بالساحة الخضراء بقرار من والي الخرطوم بحسب ما قاله مسؤولي الساحة حينما احتشد الناس لحضور الفعالية وهو قرار إداري يحمل رسائل سياسية ومجتمعية أثارت حالة واسعة من الغضب والاستياء خاصة وسط أسر الشهداء الذين رأوا في الخطوة انتقاصاً من حق أبنائهم في التكريم اللائق.

أي رسالة يريد الوالي أن يبعث بها إلى السودانيين؟

وأي تفسير يمكن أن يُقنع أماً فقدت ابنها أو زوجة ترملت أو طفلًا كبر يتيماً بأن يمنع تكريم من بذلوا أرواحهم دفاعاً عن الوطن بهذه البساطة؟

  • الأكثر إثارة للدهشة أن هذا القرار لا يبدو معزولًا عن سابقه حينما أُلغي الوالي إفطار ذكرى غزوة بدر الكبرى المرتبط بالتيار الإسلامي العريض رغم الإعلان المبكر عنه بينما لم يجد الوالي حرجاً في المشاركة في فعالية أخرى. وتكرار مثل هذه الوقائع يجعل من حق الرأي العام أن يتساءل: هل أصبحت بعض المناسبات يتعامل معها ابوالي بانتقائية؟

وهل يُراد إقصاء مكونات بعينها من المشهد العام؟

إنها أسئلة فرضتها الوقائع ولم يصنعها الخيال.

  • لقد كنا مثل كثيرين نقدر صمود أحمد عثمان حمزة خلال أيام الحرب ونحترم وجوده داخل الخرطوم في أصعب الظروف وكان ذلك موقفاً يُحسب له ومنحه رصيدًا من الاحترام لدى المواطنين لكن هذا الرصيد ليس صكاً مفتوحًا ولا تفويضًا لاتخاذ قرارات تستفز وجدان الناس فالاحترام يُبنى بالمواقف، ويُهدم أيضًا بالمواقف.
  • إن ما فعله الوالي اليوم لا يخدم وحدة الصف ولا يليق بمدينة دفعت أثماناً باهظة في معركة الكرامة فالخرطوم ليست بحاجة إلى مسؤول يثير الانقسام حول مناسبات الوفاء للشهداء وإنما إلى قائد يجمع الناس حول رمزية التضحيات الوطنية ويترفع عن كل ما يمكن أن يُفهم بأنه استهداف أو تهميش لأي مكون سياسي أو فكري.
  • وليعلم الوالي أن الكرسي الذي يجلس عليه اليوم لم تحمه القرارات الإدارية وإنما حمته دماء الشهداء. ولولا بسالة القوات المسلحة والقوات المشتركة والقوات المساندة ولولا أولئك الذين سقطوا في ساحات القتال لما تحررت أجزاء واسعة من الخرطوم، ولما استطاعت حكومة الولاية أن تعود إلى ممارسة أعمالها و هذه حقيقة لا يستطيع أحد القفز فوقها أو التقليل من شأنها.
  • وكان الأولى بوالي الخرطوم أن يوجه جهده إلى ما ينتظره المواطنون منه : إعادة الخدمات، ورفع الأنقاض، وتأهيل المستشفيات، وتهيئة البيئة لعودة آلاف الأسر من النزوح واللجوء لا أن يدخل في معارك مجانية مع الذاكرة الوطنية ومشاعر أسر الشهداء.
  • إن تكريم الشهداء ليس مناسبة بروتوكولية يمكن إلغاؤها بقرار إداري بل هو دين في أعناق الأحياء وكل مسؤول يستخف بهذه الرمزية أو يضعها في مرتبة ثانوية إنما يخاطر بما تبقى له من رصيد في وجدان الناس وسيجد نفسه في مواجهة قطاع عريض من المجتمع
  • فالسلطة تزول والمناصب تتبدل أما الشهداء فيبقون عنواناً خالداً للوطن ويبقى التاريخ أكثر عدلًا من كل المسؤولين لأنه لا ينسى من احترم تضحياتهم ولا يغفر لمن انتقص من مكانتهم أو خذل أسرهم.
  • وليعلم كل من يجلس اليوم على كرسي سلطة أن المناصب لا تدوم وأن الكراسي لا تعرف الوفاء لأصحابها. سيغادر كل مسؤول يومًا وستطوي الأيام اسمه كما طوت أسماء كثيرين سبقوه ولن يبقى من سيرته إلا ما قدمه للوطن والناس أما الشهداء، فلا تغادرهم الذاكرة الوطنية لأنهم لم يورثوا أبناءهم سلطة ولا نفوذاً بل أورثوا الوطن حياة وكرامة لقد رووا بدمائهم الزكية تراب السودان وكتبوا بأرواحهم تاريخاً لا تستطيع القرارات الإدارية أن تمحوه ولا تملك المناصب أن تنتقص من عظمته فالمسؤول يرحل بانتهاء ولايته أما الشهيد فيبقى حياً في ضمير الأمة خالداً في وجدان شعبه تتناقل الأجيال سيرته وتظل دماؤه الطاهرة أعظم من كل سلطة وأبقى من كل منصب.

زر الذهاب إلى الأعلى