اخبار

هيومن رايتس ووتش تكشف تفاصيل حركة المرتزقة من “بوغوتا إلى الفاشر”

نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرًا جديدا بعنوان “من بوغوتا إلى الفاشر”، لا يعتمد على مصدر واحد، بل يجمع خيوطا متفرقة من شهادات ميدانية، ومقاطع فيديو محددة المواقع جغرافيا، وصور أقمار صناعية، ووثائق عقود وتراخيص، وبيانات وصفية من وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى ما نشرته جهات ومؤسسات إعلامية وتحقيقية وحقوقية كبرى، بينها نيويورك تايمز، رويترز، بيلنغكات، فرانس 24، منظمة العفو الدولية، ذا سنتري، لا سيا قاثيا ، فريق خبراء الأمم المتحدة، ومختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل.

وتركز هذه الأجزاء التي اخترتها على أكثر النقاط حساسية في التقرير: عبور المتعاقدين عبر بوصاصو وأبوظبي ونجامينا، استخدام منشآت إماراتية مثل غياثي والوثبة، صلات شركة Global Security Services Group (GSSG) بالسلطات الإماراتية، ودور الجسر اللوجستي عبر تشاد وليبيا في دعم قوات الدعم السريع.

وتكشف هذه المقاطع كيف تنتقل الصورة من مجرد حديث عام عن “مرتزقة أجانب” إلى شبكة أكثر وضوحا، تبدأ من التجنيد في كولومبيا، وتمر عبر بنية تحتية إماراتية، ثم تنتهي في دارفور، حيث ظهر هؤلاء المتعاقدون في محيط نيالا والفاشر، بالتزامن مع عمليات قوات الدعم السريع والانتهاكات الواسعة ضد المدنيين.

ومن قاعدة قوة شرطة بونتلاند البحرية في بوصاصو، استقل المتعاقد رحلة خاصة إلى أبوظبي. وقال إنه عند وصوله إلى أبوظبي، “لم يختموا جوازات سفرنا”. وأضاف: “دخلنا وخرجنا، وكان هناك حافلة تنتظرنا لنقلنا إلى قاعدة عسكرية”، وذكر أن المجموعة، التي ضمت نحو 40 متعاقدا، نُقلت إلى منشأة عسكرية إماراتية في غياثي، وهي بلدة في منطقة الظفرة بإمارة أبوظبي، حيث أقاموا نحو 20 يوما وتلقوا تدريبا عسكريا، ومن قاعدة غياثي، نُقل المجندون بالحافلة إلى مطار تجاري. وقال: “أدخلونا مخفيين، وبشكل سري، من الجهة الخلفية للمطار، ولم نر شيئا”.

وفي ديسمبر 2023، أقرت الإمارات بأن 122 رحلة شحن من الإمارات هبطت في تشاد، وقالت إن هذه الرحلات نقلت 2,500 طن من المساعدات الإنسانية. لكن متخصصين في الشؤون الإنسانية قالوا لهيومن رايتس ووتش إن إجمالي القدرة الاستيعابية لهذا العدد من الرحلات يتجاوز بكثير احتياجات مستشفى صغير كهذا. وفي سبتمبر 2023، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الإمارات كانت تستخدم المستشفى لعلاج مقاتلي قوات الدعم السريع الجرحى. ولم يبلغ الهلال الأحمر الإماراتي الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أو الجمعية الوطنية التشادية بأنه بصدد إنشاء المستشفى، كما تقتضي الممارسة المعتادة.

الروابط مع السلطات الإماراتية

تشير عدة أنواع من الأدلة إلى أن نشر المتعاقدين العسكريين الكولومبيين الخاصين في السودان، دعما لقوات الدعم السريع، يبدو أنه عملية مدعومة من الدولة الإماراتية. ويشمل ذلك الاستخدام الظاهر لبنية تحتية إماراتية تابعة للدولة أو خاضعة لسيطرتها، والاعتماد عليها في نقل المتعاقدين العسكريين الكولومبيين إلى السودان، إلى جانب الصلات الوثيقة بين شركة المجموعة العالمية للخدمات الأمنية (GSSG) وأعلى مستويات الحكومة الإماراتية. كما توجد روابط سياسية وتجارية وعائلية واسعة بين الرئيس التنفيذي للشركة والسلطات الإماراتية.

وكما يرد بمزيد من التفصيل أدناه، أشارت مصادر هيومن رايتس ووتش إلى أن المتعاقدين العسكريين الكولومبيين الخاصين تلقوا تدريبا داخل بنية تحتية تابعة للدولة الإماراتية، وأن أحد المتعاقدين تجاوز إجراءات الرقابة الحدودية الإماراتية. كما أكدت هيومن رايتس ووتش، بشكل مستقل، وجود متعاقدين في مواقع تبدو حساسة وحكومية داخل الإمارات.

وقد أُسست شركة المجموعة العالمية للخدمات الأمنية في البداية على يد الأمين العام لديوان الرئاسة الإماراتي، ولا تزال تعمل بشكل وثيق مع السلطات الإماراتية وتنفذ أعمالا من خلالها، بحسب متعاقد عسكري كولومبي خاص نُشر في السودان، ومصدرين مطلعين لديهما معرفة بشركات التجنيد العسكرية الخاصة الكولومبية وشركات الأمن الخاصة الإماراتية، إضافة إلى تقارير نشرتها لا سيلا فاثيا وذا سنتري. ومنحت السلطات الإماراتية الشركة ما تقول GSSG إنه أول ترخيص أمني مسلح في الإمارات، كما أن وكالات حكومية إماراتية وأعضاء بارزين في العائلة الحاكمة من عملاء الشركة المنتظمين.

استخدام المتعاقدين الكولومبيين لبنية تحتية تابعة للدولة الإماراتية

تشير الأدلة التي قدمها متعاقدون عسكريون كولومبيون إلى أنهم استُضيفوا في مواقع حكومية إماراتية رسمية ومواقع خاضعة لسيطرة الحكومة الإماراتية، وعبروا من خلالها. ويشمل ذلك قاعدة غياثي العسكرية في الإمارات، ومنشأة حكومية في الوثبة بالإمارات، تظهر فيها سمات مميزة للقواعد العسكرية الإماراتية داخل البلاد.

قاعدة غياثي العسكرية

تلقى متعاقد عسكري كولومبي قابلته هيومن رايتس ووتش تدريبا في قاعدة في أبوظبي لمدة تقارب 20 يوما قبل السفر إلى تشاد والسودان، وشارك المتعاقد مع هيومن رايتس ووتش لقطة شاشة كان قد التقطها مع تفعيل خاصية تحديد الموقع، تُظهر موقع هاتفه على خرائط غوغل. وتشير النقطة الزرقاء إلى أن الهاتف كان داخل منشأة عسكرية في غياثي، وهي بلدة في منطقة الظفرة بإمارة أبوظبي، حيث قال إنه تلقى تدريبا عسكريا لمدة تقارب 20 يوما، من مارس 2025 حتى أوائل أبريل 2025.

وقال إن طاقم التدريب بدا أنهم مواطنون إماراتيون. وأضاف: “كان الطاقم الذي رأيته هناك طاقما إماراتيا، وكانوا دائما يرتدون ملابس مدنية أو يرتدون الثوب الأبيض الإماراتي التقليدي الطويل”.

وكانت هيومن رايتس ووتش قد وثقت سابقا استخدام منشأة غياثي في مخطط مشابه عام 2020، عندما جندت شركة خدمات أمنية إماراتية أخرى، وهي بلاك شيلد للخدمات الأمنية، أكثر من 200 رجل سوداني وخدعتهم للعمل في ليبيا. ونقلت بلاك شيلد الرجال إلى مجمع غياثي، حيث خضعوا لتدريب عسكري استمر أشهرا، قدمته القوات المسلحة الإماراتية. وفي سبتمبر 2020، كتبت هيومن رايتس ووتش إلى ممثلين عن بلاك شيلد، والقوات المسلحة الإماراتية، ووزارة الدفاع الإماراتية، والقوات المسلحة العربية الليبية، للاستفسار عن الادعاءات التي قدمها الرجال السودانيون، لكنها لم تتلق ردا قط.

الوثبة

حددت هيومن رايتس ووتش الموقع الجغرافي لمقطع فيديو نشره على وسائل التواصل الاجتماعي متعاقد عسكري كولومبي خاص، نشر لاحقا محتوى حددت هيومن رايتس ووتش موقعه الجغرافي في مطار نيالا في السودان. ويُظهر هذا الفيديو منشأة عسكرية إماراتية على ما يبدو، تقع في الوثبة، وهي ضاحية من ضواحي أبوظبي. وقد نُشر الفيديو في مارس 2025، وسجله المتعاقد أثناء ممارسته رياضة الجري داخل ساحة المنشأة.

ونشر متعاقد عسكري كولومبي خاص آخر على حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي، في أغسطس 2025، صورة حددت هيومن رايتس ووتش موقعها الجغرافي عند مدخل المنشأة نفسها. وفي ديسمبر 2025 ويناير 2026، نشر مقاطع فيديو من السودان، بحسب ما تكشفه البيانات الوصفية. وكان المتعاقد قد نشر في ديسمبر 2024 صورة له إلى جانب رجل يرتدي زيا بلون رملي، يتسق مع زي مقاتلي قوات الدعم السريع. ولم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تحديد الموقع الجغرافي لتلك الصورة بشكل مستقل.

وتُظهر صور الأقمار الصناعية أن المنشأة في الوثبة، التي بُنيت بين عامي 2020 و2022، تُسمى “قصر الوثبة” في قاعدة البيانات الرسمية للمباني التابعة للمركز الاتحادي للمعلومات الجغرافية في الإمارات، وتظهر على خرائط غوغل باسم “سكن ديوان الرئاسة”. وتضم المنشأة كشافات إضاءة عالية، ومضمار جري محددا بصفوف من خطوط بيضاء متوازية على الأرض، إضافة إلى سارية علم ترفع علم الإمارات داخل الساحة. ويُظهر تحليل هيومن رايتس ووتش لصور الأقمار الصناعية أن هذه السمات، إضافة إلى الطراز المعماري للمباني، من الخصائص المميزة للقواعد العسكرية في الإمارات.

وفي أغسطس 2025، بُني مضمار حواجز في الجانب الغربي من المنشأة، بالقرب من ميدان رماية. وتقع المنشأة أيضا على بعد أقل من كيلومتر واحد جنوب مهبط طائرات، جرى تمديده في ديسمبر 2024 من 450 مترا إلى كيلومتر واحد.

زر الذهاب إلى الأعلى