
كتب المجاهد عباس خالد من الخطوط الامامية في الخنادق قائلا: هذه الليلة هادئة بشكلٍ محير. حتى المدافع صمتت، وكأن الحرب نفسها تأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تبتلع المزيد منا.
أكتب إليكم الآن تحت ضوءٍ خافت في أحد خنادق الرباط، بينما السماء فوقنا حتى وقت قريب كانت تمتلئ بالنار المتقاطعة والمكتومة، الغريب يا أحبتي أن الإنسان يعتاد كل شيء، يعتاد الجوع، والبرد، وحتى رائحة وصوت الموت الذي يدوي في كل لحظة، لكن القلب لا يعتاد الغياب أبدًا، ولا يألف هذه الوحشة مهما ادعى القوة، ففي هذا الصمت المحير، تذكرتُ ضحكتكم حول صينية العشاء القديمة -قبل وفاة أمي-، واكتشفتُ أن أعظم أحلام الإنسان ليست المجد والشهرة، بل الطمأنينة.
هذه رسالةٌ كان لابد أن تكتب ولا أعلم لماذا!، أكتبها بقلبٍ يوقن أن الكلمات تظل قوالب ميتة، لا روح فيها ولا حراك، حتى نموت من أجلها فتنتفض حيةً وتعيش بين الناس، فإذا وصلتكم رسالتي هذه، فتمعنوها جيدا، وربما أكون بعدها في مكانٍ لا تصل إليه أصوات البشر.
لقد خرجنا في هذه المعركة غير رغبة في القتال لذاته، ولا من أجل عصبيةٍ أو جاه، بل لأن تكليف الله لنا يسبق أمنيات الأرض… نحن نقف على ثغرٍ من ثغور الإسلام؛ نصد زحفاً وعدواناً لمليشيات الغدر المدعومة من شتات الأرض وقوى الاستكبار الخارجي، في حربٍ دُبرت ومُولت لتتجاوز قدرة الدولة وهياكلها، ولم يبقَ لها بعد الله إلا سواعد أبنائها، فسقط الرهان كاملاً على عاتقنا نحن أبناء هذا التراب، إنها مهمةٌ ومسؤولية تاريخية وتكليفٌ رباني لا يُقبل فيه التراجع، ولا توجد منه استقالة؛ فكيف نستقيل من عقيدتنا؟
وكيف ننام وأعراض المسلمين ودماء المستضعفين تُستباح في كردفان ودارفور والنيل الأزرق؟
الأوطان يا أحبائي لا تحررها الخطب، بل الدماء التي تُراق رخيصةً في سبيل الله والمستضعفين، ولقد علمتمونا أن الإسلام ليس صلاة في زاوية معزولة، بل هو وقوف في وجه الظلم، وأن الجيل الذي لا يدفع ضريبة الدم، سيعيش طيلة عمره يدفع ضريبة الذل
أبي الحبيب..
كنتَ دائمًا تريدني أن أكبر بهدوء، أن أنهي دراستي، أن أتزوج وتفرح بي، وأن أبني بيتاً وأفتح متجرًا صغيرًا قرب دارنا، أو أعمل مهندساً أعود إليك كل مساء، لكن كما تعلم، غرقت البلاد في بحر من الخيانات، ولا يخفى عليك أن الأعراض باتت تُستباح، وعندما استنفرت لم يكن في قلبي متسعٌ لحياةٍ عادية مسالمة وادعة بينما كل شيء ينهار من حولي، والمستضعفون يصرخون فلا يجدون مجيباً.
سامحني يا أبي لأنني اخترت الطريق الذي يُتعبك، وسامحني لأنني وُلدت ابنًا لا يستطيع أن يبقى آمنًا إلى جوارك حين تنادي مآذن المساجد ان ياخيل الله أركبي، فبيوت المسلمين تُنتهك
أمي الغالية التي سبقتني إلى الله.
لا أعرف كيف يبدو الموت يا أمي، لكنني أعرف كيف يبدو الشوق إليكِ في هذه الليالي… في ابقعود وفي التكمة رأيتُ أصدقائي يُدفنون بلا قبر؛ حفرةٌ سريعة، ودعاءٌ مرتبك، ثم دائما مانكمل السير والقتال كأن شيئًا لم يحدث! الحرب قاسية يا أمي إلى درجة أنها لا تمنحنا وقتًا كافيًا للحزن، المجاهدين هنا ينامون وأيديهم تقبض على بنادقهم، كأنهم يخشون أن تُسرق منهم الحياة أثناء النوم، في #الدروع رأيتُ أحدهم وقد كان يبكي بصمتٍ شديد، وحين سألته قال: تذكرتُ ابني وهو يتعلم المشي. وفي المبنى المجاور شابٌ يحتضر منذ ساعتين؛ لا يطلب طبيبًا، ولا ماءً، ولا نجدة، فقط يردد اسم أمه، ويقبض على زناده.. يبدو أن الإنسان يعود في لحظته الأخيرة طفلًا يبحث عن صدرٍ آمن، ليتك هنا يا أمي.
يا أخي عثمان، ويا كل إخوتي نادر ومحمد وعمرو..
إن متُّ قبلكم، فاحملوا عني هذا الاعتذار الطويل للعالم، نحن لم نكن نحب القتل يوماً، ولم نكن هواة دماء أو دعاة هدم، لكننا وُضعنا في زمنٍ صار فيه البقاء نفسه معركة، وصار الدفاع عن الدين والعرض والوطن فريضةَ عين ووقتٍ لا تسقط، كونوا دائمًا أحراراً، وقادرين على الشعور بالظلم الواقع على أي إنسان في أي مكان، فهذا هو جوهر إيماننا؛ فالإسلام حركةٌ لا ترضى الدنية، ولا تقبل أن يُستعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.
إلى فاطمة، أختي الحبيبة..
كل ما أخشاه في رحيلي ليس الرصاص.. بل أن تعودي إلى غرفتي بعد أعوام، فتجدي ثيابي كما تركتها، وتبكي، أخبري أطفالكِ غداً أن الحرب لم تكن بطولةً لامعةً كما تُغنى في الأغاني والأناشيد، كانت بردًا، وجوعًا، ووجوهًا متعبة، ورسائل تُكتب على عجل لأن أصحابها لا يضمنون طلوع الصباح.
إلى التي لم تأتي بعد زوجتي العزيزة (اظنها تعلم نفسها جيداً)..
حين يقترب الموت يصبح الإنسان صادقًا بطريقة عجيبة.. أريد أن أعترف لكِ أنني كنتُ أتظاهر بالقوة طوال الوقت؛ في كل معركة كنتُ أخاف، وفي كل مرة كنتُ أشتاق إليكِ، لكنشوقي للشهادة اكبر… لا تنتظريني طويلًا على الباب إذا طال الغياب وانتهت الحرب، فالمجاهدين الذين يعودون من المعارك ليسوا دائمًا هم الأشخاص أنفسهم؛ الحرب تأكل شيئًا من أرواحنا حتى لو أبقت أجسادنا حيّة، لكن إن كُتبت لي الشهادة في هذه المعركة، فاعلمي أن آخر نبضة في قلبي، بعد حب الله ورسوله، كانت لكِ
إلى طفلتي، في رحم الغيب..
حين تكبرين يا صغيرتي سيقولون لكِ إن أباكِ كان مقاتلًا بطلاً لا يهاب شيئاً ولا يُشق له غبار، لا تصدقي كل شيء يعظمونه يا صغيرتي؛ أخبريهم فقط أنني كنتُ رجلًا خائفًا، خائفاً على دينكِ وعِرضكِ ومستقبلكِ، لكنني حاولت قدر استطاعتي ألا أهرب، لأنني أردت لكِ ولأبناء المسلمين وطناً طاهراً، لا غابةً تحكمها وحوش مليشيات الجنجويد.
يا أهلي وعزوتي..
إذا عدتُ يوماً، فسأزرع شجرة في فناء بيتنا، تتفيأون ظلها ونبدأ من جديد.
وإذا لم أعد..
فازرعوها أنتم، أريد شيئًا يشبهني، أخضراً وحياً، يبقى واقفًا شامخاً بعد كل هذا الخراب… إن سقطتُ مقبلاً غير مدبر، فلا تجعلوا صورتي معلقة بالحزن وحده.
تذكروا أنني ضحكت كثيرًا، وأحببت الحياة كثيرًا معكم، لكن بعض الأزمنة تضع الإنسان أمام خياراتٍ ومسؤوليات لا تشبه أمنياتنا في شئ، والدين غالٍ يحتاج إلى مُهجٍ تُبذل.
نحن أبناء عقيدة لا تقبل الانكسار.. نحن لا نستسلم أبدًا؛ ننتصر، أو نمضي إلى الله شهداء، لا تبكوا علينا إن رحلنا، بل ابكوا دماً إن ضاعت البلاد.



