اعمدة الرأي

حسين خوجلي يكتب بيننا وبينكم الأبيض إلى القائد العام ورئيس الأركان

كتب حسين خوجلي- إلى القائد العام وهيئة الأركان.. بيننا وبينكم الأبيض قائلا: حزمة من الدول الاستعمارية الكبرى وصنائعها من الدول الوظيفية بالمنطقة كانت تترقب سقوط الخرطوم لتكمل الاستحواذ على ثروات وموارد هذه الأرض الطيبة، ما فوقها من أنهار وملايين الهكتارات الصالحة للزراعة، وما في باطنها من مخزون ثمين من ذهب ويورانيوم وبترول وأشياء أخرى لم يخلق مثلها في البلاد.

كملة السر

كانت كلمة السر المتداولة بينهم: إننا نحذر قوات الدعم السريع من ارتكاب أي تجاوزات بالخرطوم، وتم الاجتياح وحدث القتل والاغتصاب والنهب المشهود لحضارة كاملة وبنية تحتية لشعب بناها من المجهول ونحتها على صخر المستحيل. وبعد خرطوم اللاءات الثلاثة خاضت الفاشر الباسلة كاسية الكعبة ما يقارب 300 معركة استخدموا ضدها كل الأسلحة، وشاركت فيها كل الإثنيات من أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، لا يجمع بينهم إلا العداء لهذه الأرض التي استعصت على الاستعمار القديم والجديد، وكأنما كان المتنبي ببيته الشهير عن جيوش الحروب الصليبية يعني هذه الأرض وهذا الشعب:

تَجَمَّعَ فيهِ كُلُّ لِسنٍ وَأُمَّةٍ فَما تُفهِمُ الحُدّاثَ إِلّا التَراجِمُ
وأطلت ذات العبارة الخبيثة، كلمة السر للاجتياح الموعود والمسنود بالتقنية والذخائر والتخابر والمدرعات والمسيرات والصمت الأممي المريب: (نرجو من قوات الدعم السريع ألا ترتكب تجاوزات في الفاشر) كانت هذه الكلمة تعني بأن هذه المدينة الرمز على وشك السقوط، وفعلاً كما تمنى هذا العالم الظالم البائس عديم النخوة والأخلاق، فقد تمت كل عمليات القتل والاغتصاب والسرقات والإعدامات الجماعية خارج إطار القانون أمام أعينهم، منقولة بالصوت والصورة يتباهى بها القتلة المأجورون ليل نهار حتى أصابت ملايين الناس بالغثيان، ورغم ذلك لم تجرؤ كل المؤسسات الدولية بدمغ هذه المليشيا المجرمة بأنها منظمة إرهابية يجب عليها العقاب، ويستوجب على العالم الحر أن يعلن البراءة من سلوكها البربري المخيف، ولكن لا حياة لمن تنادي، لأن أعين الشركات المتعددة الجنسيات المالكة لهذه الأنظمة الربوية والمملوكة لجزيرة أبستين الملعون كانت تنتظر حظها من الأرض للاستثمار الحرام ونخاسة البشر المستغل حريقاً في معارك الارتزاق بغزة والضاحية الجنوبية في بيروت وأوكرانيا وفيالق الإنزال على الحدود الإيرانية.

ويبدو أن المشاهد البشعة المريعة التي شاهدها الناس من قلب الفاشر بكاميرات هؤلاء الأوغاد قد فقدت بريقها وأصابتها الرتابة، وجاء الآن دور الأبيّض لتعلن ذات الدول القاتلة والمجرمة ذات عبارة الإغراء الشريرة، أو قل كلمة السر للاقتحام: (إن المجتمع الدولي يرجو من قوات الدعم السريع ألا ترتكب أي تجاوزات كما فعلت في الفاشر). وهذا يعني ببساطة إذناً مفتوحاً بالاقتحام، فقد تم شراء ما يكفي من المرتزقة من أفريقيا الوسطى وتشاد وجنوب السودان مع كل التمويل اللازم والتشوين والتخابر.

إن كلمة السر هذه المؤطرة بالتجاوزات التي تعني القتل والسحل والاغتصاب تذكرنا بمأثور حكايات أدب الحيوان في كليلة ودمنة أو كتاب ابن المقفع، قيل إن عاصفة مدمرة اجتاحت إحدى الغابات فزلزلت أركانها وأسقطت الكثير من الأشجار وحطمت مساكن ومقار الحيوانات، وأصاب الهلع الأرنب البريء وهو يحضن صغاره وقد كادت العاصفة أن تلقي بهم خارج جغرافيا الغابة العريقة، فاضطرت المسكينة أن ترسل ابنها الأكبر للثعلب المكار صاحب الجحر الكبير المأمون، طالبة منه الاستضافة هذه الليلة حتى تمر ساعات العاصفة المدمرة.

قال الثعلب وهو يتلمظ طمعاً بعد أن استمع للطلب المرتجف والصغير يقف بعيداً مستعداً للهروب: قل لأمك الأرنبة البيضاء الممتلئة شحماً ولحماً إنها وصغارها على الرحب والسعة في جحرنا الدافئ، وقل لها: استريحي آمنة مطمئنة، فلن يلتهمكم أحد!
فلما بلغت الجملة الأرنب المبتلى، جمع صغاره في ذعر وهرب مسرعاً إلى أقاصي الغابة وهو يردد: ما الذي دعا هذا الثعلب لإطلاق مقولته الخبيثة (لن يلتهمكم أحد).

إنها ذات العبارة التي أطلقتها هذه الدول تجاه الأبيض، وكلمة السر التي أرسلت للدعم السريع.
وإن كان لنا في نهاية هذه المماثلة برقية فهي للسيد القائد العام ولهيئة أركان القوات المسلحة يطلقها الشعب السوداني جهراً وسراً بأن يخوضوا معركة الشرف الأخيرة، وليس بيننا وبينهم إلا الأبيّض. وقديماً قالها الإمام أحمد بن حنبل حين يئس من عدل السلطان: (بيننا وبينكم الجنائز). وقد خرجت كل بغداد يومها لوداع الرجل الصالح إلا الخليفة. والمعنى واضح.

زر الذهاب إلى الأعلى