كنتُ خائفاً أن يفعلها حميدتي. لكنه لم يخذلني!

كتب حسين خوجلي
تُعد مدينة الفاشر واحدة من أعرق المدن العربية والأفريقية والإسلامية، ولأن العراقة لا تبقى في الآثار فقط، بل تتعداها رسوخاً وخلودًا في قلوب النساء والرجال، وبهذا الإرث والشرف العريق ظلت هذه المدينة تقاتل بفرقتها العسكرية، ومقاومتها الشعبية، وقواتها المشتركة، وسائر الناس، لأكثر من 285 معركة، وهو طوفان من المعارك لم يشهد التاريخ القديم ولا المعاصر. ورغم ذلك ظلت مستعصية ومستعصمة بحقها وعقيدتها وقضيتها، بصمود أذهل العالم وتعالی حتى على التوثيق والصور والمفردات.
ولو كان الإعلام العالمي منصفًا لجعل من حكاية هذه المدينة الباسلة أيقونة تصلح توثيقا لعشرات الأفلام السينمائية والكتب والمذكرات والأشعار، ولكن كل ذلك لم يحدث ولن يحدث، لأننا نعيش في عصر التفاهة والقوة الخالية من الشرف والعدالة والأخلاق.
لقد ظلت مدينة الفاشر وحيدة في قلب الصحراء بلا زاد ولا عتادٍ ولا نصير، وقد أطبقت عليها قوى الشر من دول الجوار الأفريقي بمرتزقتها، وبعض العواصم العربية بأموالها الحرام، والآلاف من المرتزقة الذين اشترتهم عائلة دقلو المجرمة بأموال شعبنا الذي نهبته من كل مدن السودان. والذي تنقب عنه في مناجم الذهب المجاني المنثورة في تلك الفيافي بلا حسیب ولا رقیب.
كانت كل قوى الشر المتحالفة هذه مصرة على إسقاط واقتحام هذه المدينة الجسورة، لأنها تذكرهم بخستهم ووضاعتهم.
ولأكثر من عامين من الصبر والتحدي والشهادة، اضطر الأحرار لإخلائها في عملية جريئة أذهلت كل تلك العصابات والداعمين لها، بانسحاب في دفتر علم الحروب كان توأمً للانتصار إن لم يتجاوزه، ذكرنا بانسحاب خالد بن الوليد العبقري في مؤتة. وفي ذلك اليوم الحزين لم يبق في المدينة إلا الجرحى، والشيوخ، والنساء، والأطفال. وبعض المعذبين في الأرض الذين تقطعت بهم السبل.
كنتُ خائفًا أن يدخل حميدتي في يوم الاجتياح شديد بياض الثياب، شدید سواد الشعر، ويعتلي أعلى صخرة في المدينة. وقد تجمع حوله كل المأسورين والجرحى والشيوخ والنساء والأطفال والمعذبين في الأرض، ليقول لهم بصوت جهوري واثق، متمثلا بمقولة المصطفى عند فتح مكة: «تری ماذا تظنون أني فاعل بكم؟» فيقولون بأصوات خافتة وجريحة: أخْ كريم وابن أخ كريم»، فيرد عليهم بصوت خاشع: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، ويزید: من دخل المسجد الكبير فهو آمن، ومن دخل المستشفى السعودي فهو آمن، ومن دخل جامعة الفاشر فهو آمن، ومن دخل متحف السلطان علي ینار فهو آمن. كنت خائفًا أن يحدث ذلك ويصوره إعلام تأسيس وأنجمينا وبانغي، وتوتُقه تسابيح. نعم، كنتُ خائفًا أن تظهر هذه الصورة للعالم، مؤذنة بقيم جديدة، ومدينة جديدة، وعفو جديد، يزلزل كلّ سوآت الرجل القديمة وملیشياته المجرمة. ولكن الله تعالى يأبي أن تجري هذه الأقوال الكريمة على فم هذا السفاح القاتل. ولا أن توسس تلك الأعمال الخيرة على يد هؤلاء الأوباش من اللصوص والمرتزقة. بل كان ما حدث مخالفًا لكل التوقعات: فقد صدرت أوامره الشيطانية بذبح المصلين، وإطلاق الرصاص على الجرحى، وقتل الأسری صفا صفا، واغتصاب الطفلات في الشارع العام، وابتزاز الفقراء المغادرين. بل بلغت بهم الجرأة أن وثقوا كل ذلك كاميراتهم وهواتفهم، في لقطات يندی لها جبين العالمين
خزيا وانكسارًا.
لقد ترك الشعب السوداني، ولو بعد حين لهذا المجرم نيالا، فحولها من أنضر مدينة أفريقية إلى أبشع حاضرة، بل أحالها إلى سجن كبير تفوح من طرقاته روائح الموت والاغتصاب والنهب، واحتقار الإنسان لأخيه الإنسان. حطم جوامعها وجامعاتها، وفعل أبشع من ذلك في كل المدن: زالنجي والضعين، اللتين كانتا قديمًا سوقًا للمكرمات، فصارتا في عهدهم سوقا للمنهوبات.
هذه هي الأمثلة التي تريد قوى البغي العالمي أن نمتثل لها، ونحاورها، ونعيدها من جدید، بعد كل هذه البشاعة، مرة أخرى إلى رحاب الشرعية والحاكمية والسيادة.
إننا إن فعلنا ذلك، أو أعدنا هذه المسرحية البائسة. لكنا أشبه بذلك البدوي الساذج الذي احتضن جرو ذئب من هوام الشتات، وجعله في معية شاته وصغارها، فترعرع معهم حتی شب عن الطوق. وفي ليلة شاتية، وقد استكان الجميع إلى النوم من رهق النهار والبرد القارس، إذا به ينقض على شاته، أو بالأحرى أمه، فیقتلها ويمزقها ويأكلها، ثم يهرب إلى صخرة قريبة وفمه ينضح بدم الجريمة. فأطل صاحب الشاة القتيلة، وهو يحدق في القاتل حائرًا ومفجوعا، وأطلق أبياته التي سار مع الركبان مثلا، يتغطّى به كل الذئاب المسعورة: حميدتي، وأبو لولو المجوسي، وعبد الرجيم، ومادبو، ومختار بابو، والتعايشي الذليل الذي اذل اسم الشهيد والقبيلة الراشدة:
بقرت شويهتي وفجعت قلبي وأنت لشاتنا ولڈ ربیب
غذيت بدرها وربیت فينا
فمن أنباك أن أباك ذیب
إذا كان الطباع طباع سوي
فلا أدب يفيد ولا أديب
حسین خوجلي



