
رشان أوشي
بلا شك، لاحظ السودانيون الضجة الإعلامية التي صاحبت أخبار وصول بواخر الوقود إلى الموانئ السودانية، عبر تصريحات مباشرة ومتكررة من معالي وزير الطاقة. لكن المدهش أن هذه البواخر وصلت بالفعل، بينما لم يلمس المواطن أي تحسن حقيقي في توفر الوقود بمحطات الخدمة. فما زالت الندرة مستمرة، والصفوف ممتدة، والمعاناة اليومية على حالها، وكأن شيئاً لم يحدث.
حسناً، سنكشف للرأي العام حقيقة ما جرى، وأين ذهب الوقود الذي استقبلته الموانئ، ولماذا لم يصل إلى المواطنين؟
بالفعل، وصلت باخرة وقود استوردتها شركة النيل للبترول، وبمجرد الانتهاء من تفريغ حمولتها، جرى تسليم شركات التوزيع أنصبتها المقررة. لكن ما حدث بعد ذلك يكشف جانب خطير من سلوك المجموعة التي كانت تحتكر استيراد الوقود، قبل أن تنتقل إلى نشاط التوزيع، محتفظة بنفوذها ومصالحها.
فالمواطنون لاحظوا أن معظم الوقود المتوفر حالياً يتركز في محطات شركة النيل الحكومية. والسبب أن الشركة، فور تسلمها حصتها من الوقود، سارعت إلى ضخه في محطاتها. في المقابل، أحجمت شركات أخرى عن طرح حصصها للبيع، واحتفظت بكميات الوقود داخل مستودعاتها، في انتظار زيادة مرتقبة في الأسعار، بما يعني عملياً حجب سلعة استراتيجية عن المواطنين لتحقيق مكاسب أكبر.
والمفاجأة الثانية تتمثل في خروج بنك السودان المركزي من دائرة تمويل شراء الوقود، بعد أن ظل، حتى الشهر الماضي، يوفر العملة الأجنبية المدعومة للمجموعات المحتكرة للاستيراد. فقد قررت إدارة البنك فجأة الإحجام عن توفير النقد الأجنبي المدعوم، بعد أن أصبح الاستيراد يتم عبر العطاءات، وليس بواسطة المحتكرين السابقين.
وبحسب المعلومات المتوفرة لدينا، فإن شركة النيل للبترول، صاحبة الباخرة الأخيرة، باعت اللتر الواحد لشركات التوزيع، التي تشمل مجموعة الـ200 كيلو ذهب وأطرافاً أخرى، بسعر (9,250) جنيهاً، ليصل سعر البيع للمستهلك إلى (9,400) جنيه للتر الواحد.
لكن المفارقة أن مجموعة المحتكرين السابقين، الذين تحولوا إلى موزعين، باعت الوقود للمعدنين بسعر وصل إلى (14,000) جنيه للتر الواحد بينما أحجمت عن بيعه للمواطنين في المحطات . وهو فارق كبير يفتح نافذة للريبة حول آليات التسعير، والجهات التي تتحكم في تدفق الوقود إلى الأسواق.
لقد أكدنا في مقالات سابقة أن أزمة الوقود الحالية ليست مجرد أزمة إمداد أو نقص في الواردات، بل إن هناك مؤشرات قوية على أنها أزمة مفتعلة، نتيجة صراع بين القرار السيادي ومصالح مجموعات الاحتكار، ومن يساندونها داخل مؤسسات الدولة المعنية بهذا الملف.
إن وصول البواخر دون أن ينعكس ذلك على وفرة الوقود في محطات الخدمة، والاحتفاظ بالكميات في المستودعات بدلاً من طرحها للمواطنين، ثم التلويح بزيادات في الأسعار، كلها وقائع تستوجب مساءلة واضحة للجهات المتورطة.
وهنا نفهم لماذا اضطر رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى التدخل بنفسه في ملف النفط والوقود. فالمسألة لم تعد مجرد خلاف حول إجراءات الاستيراد أو التوزيع، وإنما أصبحت امتحاناً لقدرة الدولة على فرض قراراتها في مواجهة شبكات المصالح والاحتكار.
وصلت البواخر، وأفرغت حمولاتها، واستلمت الشركات حصصها.. لكن المواطن لا يزال يقف في الصفوف. فمن يحاسب من يحتفظ بالوقود في مستودعاته، بينما تتعطل حياة الناس؟.
محبتي واحترامي



