
في مثل هذه الأيام من أغسطس في العام الماضي لا تستعيد الذاكرة السودانية اسم الشهيد مهند إبراهيم فضل، المعروف بـ«أسد المدرعات»، باعتباره مقاتلاً سقط في واحدة من معارك هذه الحرب وإنما تستعيد نموذجاً لرجل اختار أن يكون في مقدمة الصفوف حين كان بإمكانه أن يبحث عن موضع أكثر أمناً.
مهند الذي ارتبط اسمه بسلاح المدرعات وبمعارك الخرطوم ظل حاضراً في اللحظة التي يتراجع فيها الآخرون ومتقدماً حين تصبح الخطوة إلى الأمام أقرب إلى الذهاب نحو الموت.
لم يكن لقب «أسد المدرعات» وصفاً أطلقته مواقع التواصل فقط بل ارتبط اسمه وفق روايات رفاق السلاح بصورة المقاتل الذي يتقدم الصفوف ويظهر في أصعب اللحظات ويمنح من حوله قدراً من الثبات حين تضيق الخيارات وتتسع دائرة الخطر ولذلك لم يكن غريباً أن يتحول اسمه بعد رحيله إلى واحدة من أكثر صور البطولة حضوراً في ذاكرة الحرب السودانية، لكن أقسى فصول حكاية مهند، كما ترويها الروايات عن استشهاده لم تكن في لحظة المواجهة وحدها وإنما في القرار الذي اتخذه عندما وقع والقوة التي يقودها في كمين للعدو.
كان بإمكانه أن ينسحب
كان بإمكانه أن يبحث عن مخرج لنفسه وأن يترك خلفه معركة خاسرة أو قوة محاصرة لكنه رفض الهروب قبل أن يعمل على إجلاء القوة التي كان يقودها وظل في مواجهة الخطر حتى أتاح لرجاله فرصة الخروج وهنا تحديداً تكمن قيمة الحكاية
مهند لم يكن يبحث عن بطولة مصنوعة أمام الكاميرات ولم يكن ينتظر لحظة مناسبة لتسجيل موقف في الميدان بل ليؤكد ان القيادة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون رتبة أو أمراً عسكرياً والقائد الذي يقرر أن يبقى حتى يخرج رجاله يضع نفسه في آخر قائمة الناجين وأول قائمة الذين يدفعون الثمن.
ولهذا كان استشهاده موجعاً على نحو تجاوز حدود رفاقه وأسرته بل تحول إلى حالة من الحزن العام بين السودانيين الذين تابعوا قصته وتناقلوا صوره ومقاطع ظهوره في ساحات القتال وتكشف ردود الفعل الواسعة التي رافقت رحيله عن المكانة التي صنعها الرجل لنفسه في وجدان من عرفوه ومن تابعوا مسيرته.
لقد كان السودانيون يبحثون وسط حرب طويلة أنهكت البلاد عن نماذج تمنحهم شيئاً من اليقين بأن هناك من لا يزال يرى الوطن مسؤولية لا غنيمة وأن هناك من يستطيع في أشد اللحظات قسوة أن يختار التضحية بدلاً من النجاة الفردية.
ومن هنا فإن ذكرى مهند لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد مناسبة لاستعادة صورته أو ترديد ألقابه. فالرجل ترك سؤالاً أكبر من قصة استشهاده: أي سودان نريد أن نبني بعد أن تنتهي الحرب؟
وهنا تبرز قضية أخرى لا يمكن تجاهلها.
فمهند في نظر كثير من الذين عرفوا سيرته أو تابعوا مسيرته كان واحداً من نماذج عديدة قدمها التيار الإسلامي خلال الحرب سواء عبر أفراد قاتلوا في صفوف القوات المسلحة أو مجموعات وكيانات انخرطت في مقاومة التمرد وهذه الحقيقة السياسية لا ينبغي أن تُدفن تحت ركام الخصومة السياسية.
يمكن أن يختلف السودانيون حول الإسلاميين ويمكن أن تُناقش تجربتهم السياسية بصرامة، ويمكن أن تُحاسب أي جهة على أخطائها ومسؤولياتها، لكن من الخطأ أن يتحول الخلاف السياسي إلى محاولة لمحو حق شريحة من السودانيين في الوجود السياسي أو مصادرة حقها في المشاركة في تحديد مستقبل البلاد.
فالسياسة ليست جائزة تمنحها مجموعة لمجموعة أخرى والديمقراطية لا تعني إقصاء الخصوم الذين لا نحبهم وإنما تعني الاحتكام إلى الشعب وصناديق الاقتراع والقانون.
ولهذا فإن قصة مهند تضع خصوم الإسلاميين أمام سؤال أخلاقي وسياسي في آن واحد: إذا كان المطلوب بناء دولة سودانية جديدة فهل تُبنى هذه الدولة بالإقصاء أم بالمنافسة السياسية؟ وهل يكون معيار المشاركة هو الانتماء السياسي أم الاحتكام إلى القانون وإرادة الشعب؟
إن استدعاء اسم مهند هنا ليس لتحويل الشهيد إلى أداة في معركة سياسية ولا لتبرئة تجربة سياسية كاملة من أخطائها وإنما للتذكير بأن السودان لا يمكن أن يكتب تاريخه بمنطق المنتصر الذي يمحو خصمه من الذاكرة.
فمهند سواء اتفق الناس مع التيار الذي انتمى إليه أم اختلفوا يظل نموذجاً لرجل رأى أن من يقودهم أمانة في عنقه وأن لحظة الخطر لا تسمح للقائد بأن يكون أول الهاربين وهذه القيمة تحديداً يجب ألا تُحاصر داخل الخندق السياسي.
رحل مهند، لكن صورته بقيت رجل يتقدم الصفوف، ورجل يرفض أن يترك رجاله خلفه، ورجل اختار أن يدفع حياته ثمناً لموقف آمن به.
وفي ذكرى استشهاده ربما لا يكون أفضل ما نقدمه له أن نرفع صوره ونكرر لقب «أسد المدرعات» وإنما أن نسأل أنفسنا هل يستطيع السودان الذي دفع فيه مهند حياته أن يتسع لكل أبنائه المختلفين قبل المتفقين والمتخاصمين قبل المتصالحين؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي بعد الحرب.
أما مهند فقد مضى إلى حيث لا كمائن ولا رصاص ولا متاريس مضى تاركاً خلفه قصة رجلٍ تقدم حين كان التراجع أسهل وبقي حين كان الرحيل أقرب إلى النجاة واختار أن يكون آخر الخارجين من الخطر حتى أصبح هو أول الراحلين.
رحم الله مهند إبراهيم فضل وأسكنه فسيح جناته، ورحم كل شهداء السودان.



