اخبار

ضابط نظامي يعتدي بالأهانة والضرب والشتم على أحد أبطال المدرعات

كتب الفدائي عباس خالد..


لم نحمل البنادق يوماً لنشتري بها وجاهةً في المجالس، ولم نغادر دفء بيوتنا لنبحث عن ألقاب أو نياشين. خرجنا حين ابتلع الخذلان شوارعنا، وبذلنا الدم والوقت والعمر، راضين محتسبين، تحفنا قناعة راسخة بأن الأجر الحقيقي مخبوء عندالله. خضنا الجحيم، ودفعنا إخوتنا وأحبتنا أثماناً باهظة في ساحات الوغى، ولم نقف يوماً على منابر المنّ لنقول نحن حررنا أو نحن فعلنا؛ لأن ما نُذر لله، تستحي الأرواح الحرة أن تساوم به البشر.
لكن ما تجرعته اليوم من قهر، أدمى روحي بأشد مما فعلت شظايا المعارك ومشقة الخنادق، وقد عيرني بجهادي من يفترض أنني قدمت سندا له.
جئت من كردفان، حيث تتساقط ارواح من أعرف من رجال رخيصة ليبقى هذا الوطن، أحمل إذناً مؤقتاً لقضاء مهمة في الخرطوم التي عجنا ترابها بدمائنا لتأمن. وفي الأمس عند الساعة العاشرة والنصف ليلاً، وبينما كنت أقود دراجتي النارية برفقة صديق جاءني زائراً -ولا علاقة له بساحات القتال لا من قريب ولا من بعيد- مررنا بإستوب المهداوي في شارع الوادي بأم درمان. أوقفني أحد العساكر.. توقفت امتثالاً، طال صمته لدقيقتين دون أن ينبس بحرف، فمضيت لحال سبيلي. وما إن بلغت تقاطع مدينة النيل، حتى تقاطعت حولي سيارات العمل الخاص، أحاطوا بي وكأنني طريد عدالة أو مجرم هارب، واقتادونا بقسوة بالغة كاللصوص والمجرمين على ظهر التاتشر عائدين إلى المهداوي.
هناك، وقف أمامي الضابط المسؤول وسألني بصلف: إنت شنو؟..
أجبته بكل هدوء: أنا عباس خالد ولست نظامي، أنا مجاهد فقط.
وما إن لامست الكلمة مسامعه، حتى بصق على كل هذا الإرث قائلاً: مجاهد دي قدام.. ما عندنا مجاهد هنا يا مستنفر، وبعدين الجيش دا ما خرب إلا لمن عملوا فيه مجاهد ومستنفر!.
لم يسألني عن هويتي بعدها، لم يطلب وثيقة، بل انهال عليّ بالضرب أمام أعين المارة. عشرون صفعة أو تزيد.. لم تلسع خدي بقدر ما لسعت كرامة تاريخي بأكمله. التزمت أقصى درجات ضبط النفس، وتحدثت باحترام لأني أعرف كيف أحترم قدر البدلة العسكرية، قائلاً: ما جرمي يا سعادتك؟. فكان رده أن ضاعف قسوة ضربه لأني مستنفر، وهو يقولها صراحة، كان يفعل ذلك بوحشية من يثأر لثأر شخصي، مصحوباً بسيل من الشتائم والاستهزاء الذي يتقصد تجريد تضحياتنا من كل قيمة، وكأن سنوات الصبر والثبات والدماء لا تزن في ميزانه جناح بعوضة.
والأدهى من ذلك، أن بطشهم امتد لضيوفي الذين لا ذنب لهم سوى مرافقتي، حتى كادوا أن يخلعوا كتف أحدهم من فرط العنف غير المبرر، ثم أطلقوا سراحنا بلا تهمة ولا سؤال، محملين بأقذع عبارات السباب والشتائم.
أنا لا أكتب هذا لأشتكي وجع الجسد؛ فالأجساد نذرناها للرصاص والحديد. أنا أكتب لأشتكي قهر الرجال.
آلمتني النظرة.. تلك النظرة التي تخبرك أن دماء رفاقك تُنسى بجرّة قلم، وأن من رهنوا أعمارهم في سبيل هذا التراب يُعاملون كشذاذ الآفاق. ومع هذا الوجع كله، أُشهد الله أنني لا أندم على يوم وقفت فيه فداءً لوطني، فما قدمناه لم يكن يوماً لمدح زائف ولا خوفاً من ذم، وحسبنا أن عين الله لا تنام، خبيراً بمن تقدم يوم ولى الكثيرون الأدبار.
لكنني أضع هذا النص كعريضة اتهام مفتوحة، ونداء عاجل لكل قاضٍ حر، ولكل قانوني شريف:
أريد من يتبنى قضيتي لأسترد حقي بالقانون.
أريد أن أقف أمام منصة العدالة لأختصم قطاع الطرق هؤلاء، الذين يتدثرون بزي المؤسسة العسكرية العظيمة، ويمارسون تحت غطائها شريعة الغاب، مسيئين لجيشٍ وقفنا معه كتفاً بكتف وعجنا دماءنا بدمائه.
إلى كل من يقرأ كلماتي:
شاركوا هذه المنشور..
شاركوا هذه المظلمة لتكون درعاً يقي كل مرابط من أن يُذل غداً في طرقات الوطن الذي يحرره. إن سكت اليوم، فسيكررها غداً وبعده مع غيري، وستُداس كرامة كل من حمل بندقية شرف. وما بيننا وبين الله أكبر من كل إساءة، وأبقى من كل كلمة جارحة.

مسك_الختام

زر الذهاب إلى الأعلى