اخبار

فضيحة الناطق باسم الحصار

كتب.. إبراهيم عثمان

  • الناطق باسم صمود بكري الجاك: (البرهان حقيقة الأمر ظل يراوغ، وحينما كان في مخبئه في القيادة العامة كان يطالب العديد من قادة الحرية والتغيير بالحديث إلى حميدتي، وكان يتواصل مع استخبارات دولة لا أريد أن أسميها ويعتقدون الآن أنها معادية ويعتقدون أنها الشيطان الأكبر ويطالبها بأنه بمجرد خروجه من القيادة العامة سيذهب إلى الوصول إلى سلام)

كلما تحدث قادة صمود كلما قدّموا إثباتات إضافية على عمق ارتباطهم بالعدوان وبلطجته وابتزازه، وعلى تصورهم الساذج لطبيعة التفكير السياسي عند خصومهم:
١. الشيء الوحيد الذي يثبت يقيناً من حديث الجاك هو أنهم كانوا يمارسون الابتزاز، فإذا كان الخروج من الحصار مشروطاً بالتوقيع على سلام، فهو استسلام بشروط الذين يفرضون الحصار. وإذا كان العدو هو من يروي هذه القصة ليذم بها خصمه، فقد أقام على نفسه الحجة بأنه هو من وضع الشرط. بينما الاتفاق المبرم تحت الإكراه باطل، ومن مارس الإكراه لا يحق له الاحتجاج به، بل إن مجرد روايته للقصة هي اعتراف بالإكراه، ولن يلغي الإكراه أو يقلل منه ما زعمه من أن الشرط وضعه البرهان!
٢. القيادة العامة للجيش ليست “مخبأً” كما صورها الجاك، والبرهان لم يكن “مختبئاً” أو “مندساً” كما يقول الجاك وحميدتي في لغة مشتركة تكشف موقفاً مشتركاً ومحاولةً مشتركة لوصفه بالجبن. كان محاصَراً في مقره الرسمي من فئة انقلابية حاولت قبل ذلك اغتياله في مقر سكنه. تحويل الحصار العسكري إلى “اختباء” هو تحويل قائد الجيش المحاصَر إلى جبان مع عدم مس من يحاصره ويخيره بين الاستسلام والقتل بكلمة!
٣. خرج البرهان من القيادة العامة بعملية معقدة قام بها الجيش، ولم يخرج بإذن ثلاثي الإمارات والميليشيا وقحت، وهذه الحقيقة ترفع في وجه الجاك سؤالين: إذا كنت صادقاً فيما تقوله، فما الذي منعكم من إخراج البرهان ما دمتم ستحصلون منه في المقابل على توقيعه على شروطكم؟ ولو فرضنا جدلاً صحة العرض البرهاني ــ اخرجوني وسأوقع لكم ــ على سذاجته ولا معقوليته وربطه لقضية الحرب والسلام بسلامة شخص واحد، فما الذي يدعوه للقبول بشروطكم وأنتم الذين تزعمون هذا الزعم لم تقولوا إنكم نفذتم ما يليكم ودبرتم له الخروج؟ عدم وجود إجابة مقنعة يجعل الرواية تنهار من داخلها قبل أن يطعن فيها أحد من خارجها!
٤. فكرة التوقيع مقابل السماح بالخروج تتجاهل حقيقة بديهية وهي أنه لم يكن هناك ما يمنع التوصل إلى اتفاق سلام والبرهان لا يزال محاصَراً، إذا كان اتفاقاً عادلاً لا إملاء فيه ولا ابتزاز. كان للبرهان فريق مفاوض لم يتوقف عمله، وكانت قنوات التفاوض مفتوحة. فلماذا يكون الخروج الشخصي للقائد شرطاً للتوقيع؟ الإجابة أن الأمر لم يكن يوماً عن السلام كان عن الاستسلام، وهو ما أفصح عنه حميدتي بلا مواربة حين قال “البرهان يستسلم بس.”، وهو ما قاله الجاك نفسه في تصريح شهير حاول لاحقاً التملص منه بلا جدوى.
٥. قال: (ويطالبها بأنه بمجرد خروجه من القيادة العامة سيذهب إلى الوصول إلى سلام). كلمة يطالبها التي بدأ بها الجملة تستحق تتمة من شاكلة (يطالبها بأن تسمح له بالخروج من الحصار)، لكن الجاك هرب منها إلى ما زعمه من “وعد” من البرهان مقابل إخراجه، وهو هروب مقصود، لأنه يعلم ان العبارة بشكلها الطبيعي فاضحة لمقدار تدخل هذه الدولة ولبلطجتها واحتجازها لرأس الدولة، وفاضحة لقبول الجاك بهذه البلطجة!
٦. قال (مخابرات دولة لا أريد أن أسميها) وهو يعلم علم اليقين أن كل من يسمعه سيعلم أنه يقصد مخابرات الإمارات. وسيعلم أنه لو كان الأمر أمر اتهام سياسي لقائد الجيش، لما تردد في التسمية الصريحة التي تزيد الاتهام شدةً ووضوحاً. لكنه يتحاشى التسمية لأن التسمية الصريحة ستحول السؤال فوراً إليه هو: ما هي طبيعة علاقتك أنت بتلك الدولة التي تعرف من اتصالاتها السرية ما لا يعرفه غيرك؟
٧. قال: (يعتقدون الآن أنها معادية) متبرئاً من الحكم ومحتفظاً بمسافة منه. لكن السؤال الذي تطرحه هذه الجملة على بكري الجاك وعلى صمود كلها أشد حرجاً من أي اتهام يوجهونه لخصومهم: وأنتم ماذا تعتقدون؟ أم أن الاعتقاد بالعداء عند صمود مشروط بأن يقع العدوان على صمود نفسها لا على السودان وأهله؟ ما نخرج به من هذا القول هو أنه يستنكر وصف الإمارات بالدولة المعادية، وأنه لا يجد في كل ما فعلته بالسودان ما يستحق وصفاً من أي نوع اللهم إلا ذلك الإيجابي “الإنساني” الذي لا يفوت قائده حمدوك فرصةً للحديث عنه!
٨. الرواية التي تجمع قحت والإمارات في دعوى استنجاد واحدة تجمعهما أيضاً في اعتراف بالصلة بالميليشيا وبالحصار والاستثمار فيه وانتظار ثمرته في شكل خضوع لضغطه. أن تقوم استخبارات دولة أجنبية بإخراج قائد مقابل التوقيع بشروط بعينها، وأن يكون الجاك على علم بهذه المطالبة ويرويها كأنها دليل إدانة، هذا اعتراف بعلاقة مشبوهة لا يفتخر بها أي وطني!
٩. من أين علم بكري الجاك بتواصل البرهان مع المخابرات الإماراتية وهذا النوع من المعرفة لا يأتي من الفراغ ولا من المصادر المفتوحة؟ هل مصدره تلك الاستخبارات ذاتها؟ ثم إن فكرة تعيير قائد الجيش بزعم أنه كان يستجدي مخابرات الإمارات، لا يمكن أن تمر ــ إذا لم يصحبها إدانة للإمارات ــ إلا عندما يكون صاحبها متبنياً للابتزاز الإماراتي، ومستقوياً به، ومستخدماً له ضد خصمه!

أخفق ثلاثي الميليشيا وقحت والإمارات في انتزاع ما أرادوه عبر حجز قائد الجيش كرهينة وابتزازه، بعد أن خرج من بين أيديهم بواسطة جيشه وليس بإذنهم. ثم جاء الناطق باسم الحصار بكري الجاك ليروي هذا الإخفاق على الملأ ظاناً أنه يتهم خصمه وهو لم يفعل شيئاً سوى أنه قدم شهادة على نفسه وجماعته بالاشتراك في ذلك الابتزاز!

زر الذهاب إلى الأعلى