
وثّق الإعلامي السعودي مالك الروقي شهادات إنسانية مروّعة لضحايا الحرب في السودان، وكان من أبرزها مقابلة مع شابة سودانية ناجية من اعتداءات مليشيا الدعم، حيث يعرض البرنامج الاستقصائي الشهير “مالك يوثّق” على قناة الشرق الوثائقية.
سمّته «عزّام».. وحين سألها الإعلامي السعودي مالك الروقي عن سبب اختيار هذا الاسم، ربطته بالعزيمة والإصرار اللذين رأت أن طفلها تمسّك بهما ليأتي إلى الحياة، رغم الظروف القاسية التي أحاطت بحملها، وما عاشته من ألم ومعاناة نفسية وجسدية بعد تعرضها للاغتصاب على أيدي عناصر من مليشيا الدعم السريع.
«كان عنده عزيمة يطلع للدنيا دي»، تقول الأم، وهي تتحدث عن طفلها الذي جاء إلى الحياة نتيجة اعتداء ترك آثاراً عميقة في حياتها. ويحمل اسم عزّام معنى الإرادة والعزم، وقد اختارته والدته تعبيراً عن قوة الحياة التي رأتها في طفلها رغم قسوة الظروف التي سبقت ولادته. ولعل هذا الطفل يحمل يوماً إلى قلب أمه شيئاً من الطمأنينة والسعادة، ويمنحها أملاً في حياة أكثر أمناً واستقراراً بعد كل ما عانته.
وتأتي شهادة هذه الأم السودانية ضمن برنامج «مالك يوثّق»، الذي يقدمه الإعلامي السعودي مالك الروقي على قناة «الشرق الوثائقية»، خلال رحلته الصحفية إلى السودان لتوثيق معاناة المدنيين والانتهاكات التي تعرضوا لها خلال الحرب. وتروي الناجية أنها عادت إلى منزلها لاسترداد بعض الأوراق المهمة، وكان برفقتها ابنها البالغ من العمر ست سنوات، عندما فوجئت بثلاثة رجال تعرفت إليهم من ملابسهم بوصفهم عناصر من مليشيا الدعم السريع. وتقول إن الرجال منعوها من المغادرة وهددوها بالسلاح، قبل أن يأخذ أحدهم طفلها بعيداً بعدما وعده بشراء حلوى، بينما اعتدى عليها الآخران جنسياً، وفق شهادتها.
كانت قد عادت إلى منزلها بحثاً عن أوراق تحتاج إليها، لتجد نفسها تواجه واحدة من أقسى التجارب التي يمكن أن تتعرض لها امرأة، بينما يُبعد طفلها الصغير عنها. وتتحدث الناجية عن المعاناة التي أعقبت الاعتداء، وكيف اكتشفت حملها، وما مرت به من اضطرابات نفسية وتدهور في صحتها وعلاقاتها الأسرية. وتروي أنها واجهت فترة بالغة الصعوبة، قبل أن تبدأ تدريجياً في الاهتمام مجدداً بصحتها وغذائها. وتكشف شهادتها عن الآثار العميقة التي تتركها جرائم العنف الجنسي في حياة الناجيات، خاصة عندما ينتج عنها حمل وولادة طفل، وما يرافق ذلك من تحديات صحية ونفسية واجتماعية قد تستمر سنوات.
ومع كل ما عانته، اختارت الأم لطفلها اسماً يحمل معنى القوة والإصرار، وكأنها أرادت أن تمنحه بداية مختلفة عن الظروف المؤلمة التي سبقت مجيئه إلى الحياة. ويستحق عزّام أن ينشأ محاطاً بالحب والرعاية والأمان، كما تستحق والدته الدعم والحماية والعدالة، وفرصة لاستعادة حياتها وتربية طفلها بعيداً عن الخوف وآثار الجريمة التي تعرضت لها.
وفي نهاية المقابلة، سأل مالك الروقي الناجية عمّا ستقوله لحميدتي، قائد مليشيا الدعم السريع، لو كان جالساً أمامها. فوجّهت إليه رسالة مؤثرة تحدثت فيها عن ظلم السودانيين ومعاناة الضحايا ودعوات المظلومين، مؤكدة إيمانها بأن حقوقهم لن تضيع عند الله، وأن الظلم الذي تعرضوا له لن يمر دون حساب. وتحمل كلماتها ألماً عميقاً، وتعكس إصرار الناجين على طلب الإنصاف ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت بحقهم.
أما الأم التي اختارت لطفلها اسم «عزّام»، فقد أظهرت شجاعة استثنائية حين روت تجربتها المؤلمة أمام الكاميرا. ورغم كل ما عانته، رأت في طفلها عزيمة على الحياة، واختارت أن تمنحه اسماً يجسد ذلك المعنى. ولعل الأيام تحمل إلى هذه الأم وطفلها ما حُرما منه من أمان وطمأنينة، وأن يجد عزّام فرصة لينشأ في عالم أكثر رحمة من ذلك الذي استقبله عند ولادته.



