
كتب- حسام أحمد الإدريسي- عثر مواطنون على ميدالية برونزية نادرة تعود للعهد العثماني التركي سنة 1316هـ (1898م) في قرية بان التابعة لمحلية قلع النحل بولاية القضارف شرقي السودان ما يعيد القرية إلى تاريخ بعيد وضارب في القدم.
يعرف أهل المنطقة بان بأنها *”أرض الأجداد وأبناء خليفة المهدية”، وهذا الوصف ليس مجازاً بعد انتصار الثورة المهدية وتحرير الخرطوم عام 1885م على يد الإمام المهدي وخليفته الخليفة عبد الله التعايشي، استقرت في شريط قلع النحل – بان – ود الكبير مجموعات كبيرة من الأنصار والبطون التي بايعت الخليفة وجاءت معه من كردفان ودارفور فأصبحت بان حاضنة اجتماعية وتاريخية للمهدية في شرق السودان، وما زالت أسرها تحتفظ بالروايات الشفوية عن معارك المهدية ضد الحكم التركي المصري.
لذلك فإن العثور على ميدالية عثمانية في أرض أنصار المهدية ليس غريباً، بل هو دليل مادي على الصراع التاريخي بين الدولتين، وتعتبر الميدالية التي تم العثور عليها مصنوعة من البرونز، قطرها حوالي 30 ملم، وتعود لعهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909م) آخر السلاطين العثمانيين الأقوياء.
في وجهها الأمامي كلمة “افتخار” بخط الثلث العثماني الجميل، وهي وسام يمنح للشجاعة والفخر العسكري في وجهها الخلفي: شعار الدولة العثمانية (الهلال والنجمة) وعبارة “ضُرب في إسلامبول سنة 1316” وإسلامبول هو اسم إسطنبول في ذلك العهد، محاطة بإكليل الغار.
كيف وصلت إلى بان؟ الأرجح أنها كانت مع جندي سوداني مجند في الجيش التركي المصري قبل المهدية، أو كانت غنيمة حرب غنمها الأنصار في معارك تحرير القضارف وكسلا عامي 1883-1884م في كل الحالات، هي وثيقة تاريخية تربط بان مباشرة بتاريخ السودان الحديث.
لكن الميدالية العثمانية ليست إلا قشرة التاريخ الكنز الحقيقي في بان مدفون تحت الأرض حيث تضم بان واحدة من أكبر تجمعات مقابر العنج في السودان والعنج – حسب المؤرخين – هم بقايا مملكة علوة المسيحية التي حكمت وسط السودان من القرن السادس الميلادي حتى سقوطها عام 1504م على يد سلطنة الفونج. ويصفهم الأهالي بأنهم قوم طوال القامة، أقوياء، سكنوا المنطقة قبل العرب.
وتعتبر مقابر العنج في بان هي تلال حجرية دائرية ضخمة يصل قطر بعضها إلى 80 متراً، مبنية على شكل خلايا النحل من الحجارة المرصوصة بعناية بداخلها قبر مركزي لزعيم أو شخصية مهمة، وحولها قبور للأبقار والماعز، مما يدل على حضارة رعوية كانت تقدس الماشية يعود تاريخها حسب الدراسات الحديثة التي نشرتها مجلة Nature عبر صور الأقمار الصناعية في صحراء العطبراوي المجاورة، إلى الفترة 4500 – 2500 قبل الميلاد*، أي عندما كانت الصحراء الكبرى واحة خضراء مليئة بالأنهار والحيوانات هذا يعني أن أرض بان كانت مأهولة ومزدهرة قبل 6500 عام.



