اخبار

شبكة إعلامية مصطنعة تروّج سرديات تخدم أبوظبي وقدمت خالد سلك بوصفه «القائد المنتظر”

كتب- أحمد شموخ- كشف الباحث المتخصص في التضليل الرقمي مارك أوين جونز شبكة إعلامية مصطنعة تتصل إحدى حلقاتها التقنية بشركة تعمل من أبوظبي وتل أبيب، وتستهدف السودان بحملة إعلانية مدفوعة تهاجم الجيش وحلفاءه الإقليميين، بينما تعفي مليشيا الدعم السريع والإمارات من أي نقد. ومع أن التحقيق كشف بنية العملية ووجهتها السياسية، فإنه لم يتوصل بعد إلى الجهة التي موّلتها أو تعاقدت مع القائمين عليها.

بدأ جونز تتبع الشبكة بعدما ظهر أمامه على منصة لينكدإن إعلان ممول لموقع يحمل اسم «ذا ليفانتين». وقاده البحث عن ممول الإعلان إلى شركة «بي إم ويب سوليوشنز ليمتد»، التي كانت تمول أيضا إعلانات ثلاثة مواقع أخرى، هي «غلوبال ريبورترز» و«فرونت لاين رادار» و«دبلوماسيك بوست».

وتقدم المواقع الأربعة نفسها بوصفها مؤسسات إعلامية مستقلة، لكل منها هويتها البصرية وهيئة تحريرها وتغطياتها الدولية. لكن جونز وجد، بعد تحليل أكوادها وبيانات «غوغل تاغ مانجر» وحسابات كتّابها، أنها شبكة واحدة ذات إدارة مركزية، تشترك مواقعها في البنية التقنية وصناديق البريد وبعض الأسماء التحريرية، على الرغم من اختلاف واجهاتها.

شركة في هونغ كونغ وخيط يصل إلى دبي وتل أبيب

أظهرت سجلات الشركات في هونغ كونغ أن مارتن ميتوشيف وبورشه إيفانوفسكي، وهما يحملان جوازي سفر من مقدونيا الشمالية، أسسا شركة «بي إم ويب سوليوشنز» في أبريل/نيسان 2026. كما وجد جونز أن حسابا باسم ميتوشيف على لينكدإن تفاعل مع اثنين من مواقع الشبكة.

أما الخيط الذي يصل العملية بدبي وتل أبيب، فظهر من خلال حساب داخلي في موقع «غلوبال ريبورترز» يحمل اسم «AI Admin». واستطاع جونز، بالاستعانة ببصمة البريد الإلكتروني وبيانات عامة على منصتي «غيت هب» و«غرافيتار»، أن يربط الحساب بالمطور المقدوني ديمي ليفوف، المتخصص في إنشاء مواقع ووردبريس، والذي يعمل لدى شركة «FX Leaders» ذات حضور معلن في دبي وتل أبيب.

صحفيون حقيقيون بين أسماء مختلقة

مزجت الشبكة أسماء صحفيين وشخصيات حقيقية بعدد أكبر من الهويات التي يرجح أنها مختلقة. فقد ضمت صفحات التحرير أسماء مثل السياسي والصحفي الأميركي إريك داماتو، والصحفي جوزيف هاموند، والصحفي البلجيكي ليفين تايلي، إلى جانب أسماء تثير الشك في وجود أصحابها، مثل «كلارا كويل» و«جوليان بيج» و«بياتريكس بايندر»، وهي أسماء تحيل في الإنجليزية إلى القلم والصفحة وحافظة الأوراق.

وقال داماتو لجونز إن شخصا تواصل معه وطلب منه الكتابة للموقع. ويرجح ذلك أن القائمين على الشبكة استقطبوا مساهمين حقيقيين ليمنحوا مواقعهم غطاء من المصداقية، من دون أن يعني هذا أن أولئك المساهمين شاركوا في إدارتها أو عرفوا حقيقتها.

ونشرت المواقع خلال أشهر قليلة 3708 مواد، استطاع جونز استعادة النص الكامل لـ3606 منها. كما رصد شواهد واضحة على استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، منها بقاء علامات تتبع خاصة بروابط «شات جي بي تي» داخل بعض المقالات. ونشرت ثلاثة مواقع النص نفسه لسياسة الخصوصية، وتركت فيه خانات اسم الشركة وعنوانها فارغة، بما يعكس السرعة التي أُنشئت بها هذه الواجهات الإعلامية.

السودان في صدارة الحملة المدفوعة

غطت المواقع في ظاهرها موضوعات كثيرة، من إيران وأوكرانيا والصين إلى السياسة الأميركية والأمن الأوروبي. لكن تحليل 558 إعلانا مولتها الشبكة على ميتا ولينكدإن كشف أن هذا التنوع يخفي أجندة سياسية محددة، تركزت عليها أموال الإعلانات.

جاء السودان في صدارة البلدان التي استهدفتها الحملة. وفاق حضور موضوع «الإسلاميين والإخوان المسلمين» في الإعلانات المدفوعة نسبة حضوره في مجمل المواد بنحو 5.86 مرات، والسودان بـ4.65 مرات، والجيش السوداني والبرهان بـ4.59 مرات، والسعودية بـ3.15 مرات.

وهاجمت الإعلانات الجيش السوداني والبرهان والتيارات الإسلامية، كما استهدفت السعودية ومصر وتركيا وإيران، وهي الدول التي تقدمها الشبكة بوصفها حليفة للجيش. وفي المقابل، لم يجد جونز بين الإعلانات الـ558 إعلانا واحدا ينتقد مليشيا الدعم السريع أو الإمارات، بينما رصد أربعة إعلانات تمدح أبوظبي. كما نالت المليشيا قدرا أقل كثيرا من الإعلانات، رغم أن حضورها في مجمل المواد المنشورة قارب حضور الجيش.

وأنفقت الشبكة أموالا لتوسيع انتشار الاتهامات المتعلقة باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، قبل أن تعيد صحيفتا «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» طرحها استنادا إلى مصادر استخباراتية حجبتا هويتها. ويثبت هذا أن الشبكة عملت على نشر الاتهامات وتهيئة المجال الإعلامي لاستقبالها في توقيت سياسي حساس.

تسويق خالد عمر يوسف

لم تكتف الشبكة بمهاجمة الجيش وحلفائه، بل انخرطت في تسويق شخصيات سياسية بعينها. ففي 29 يوليو/تموز 2026، نشر «ذا ليفانتين» مقالا بعنوان «خالد عمر يوسف هو القائد الذي يمكنه توحيد السودان»، ونسبه إلى «بياتريكس بايندر»، إحدى الشخصيات التي يرجح أنها مختلقة.

يختزل المقال الحرب في صراع بين «رجلين مسلحين»، هما عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو، ويزعم أن كليهما عاجز عن تحقيق النصر أو قبول التراجع. وينطلق من هذه المساواة بين الجيش والمليشيا ليقرر أن الطريق إلى إنهاء الحرب يجب أن يمر عبر شخصية مدنية، ثم يقدم خالد عمر يوسف باعتباره صاحب «أقوى استحقاق» لشغل هذا الموقع.

ويستعرض المقال نشاطه الطلابي، وتوليه الأمانة العامة لحزب المؤتمر السوداني، ومشاركته في تأسيس قوى الحرية والتغيير، وعمله وزيرا لشؤون مجلس الوزراء وعضوا في لجنة إزالة التمكين. ويقدمه بوصفه سياسيا يستطيع بناء التحالفات وكسب ثقة العواصم الغربية والخليجية وجلب تمويل إعادة الإعمار. كما يرى أن وضعه في مركز تسوية مدنية قد يمنح الجيش والمليشيا مخرجا لا يتطلب هزيمة أحدهما.

ولا يمثل المقال تغطية خبرية محايدة، بل مرافعة سياسية تبدأ بمساواة الجيش بالمليشيا، وتنفي إمكان الحسم العسكري، ثم تطرح تسوية تحفظ للطرفين مخرجا وتضع خالد عمر يوسف في مركزها. ولا يثبت نشره وجود صلة بين يوسف والقائمين على الشبكة أو علمه بنشاطها، لكنه يكشف الشخصية التي اختارتها هذه المنظومة لتقديمها إلى جمهورها بوصفها الأقدر على توحيد السودان.

استهداف دوائر القرار الأوروبي

ركزت الإعلانات على فرنسا وألمانيا وبلجيكا وبريطانيا، ووجهتها الشبكة إلى مدن مثل بروكسل وستراسبورغ وبرلين وباريس وفرانكفورت. ويرجح هذا الاختيار أن هدفها لم يقتصر على اجتذاب القراء، بل شمل الوصول إلى السياسيين والدبلوماسيين والصحفيين والباحثين القريبين من مؤسسات صنع القرار الأوروبي.

وفي 7 سبتمبر/أيلول، حذفت المواقع الأربعة، في وقت واحد، أسماء المحررين الحقيقيين من صفحاتها، كما علقت منصتا إكس وإنستغرام حسابات «غلوبال ريبورترز». ويقدم هذا التحرك المتزامن دليلا إضافيا على أن جهة واحدة تدير المواقع الأربعة.

يكشف تحقيق جونز، إذن، حملة تضليل منسقة تتطابق رسائلها وأهدافها وقائمة خصومها مع مصالح أبوظبي في السودان، ويربط أحد مشغليها التقنيين بشركة تعمل من دبي وتل أبيب. لكنه لم يتتبع بعد مسار الأموال، ولم يحدد الجهة التي طلبت تنفيذ الحملة. ولذلك يثبت التحقيق وجود الشبكة وانحيازها ووظيفتها، لكنه لا يقدم حتى الآن دليلا قاطعا يحدد الدولة أو الجهة التي تقف خلفها.

زر الذهاب إلى الأعلى